ضمير جمع في قوله تعالى :
لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ
، أي لم يعلموا عورات النساء يقال : ظهر عليه أي علمه واطلع عليه ، يقال ظهرت على كذا أي علمته ، أي يرون المرأة ، فلا يفرقون بين العورة وغيرها ، وهذا دليل على كمال الغفلة عن العلاقة بين الرجل والمرأة ، فهؤلاء يستثنون من إبداء الزينة أمامهم ، فإن نظراتهم ، ليس فيها شهوة منبعثة ، وهناك حرج على النساء في إخفاء زينتهن عنهم ، ولا يوجد ما يدعو إلى الوقوع في الحرج ، فسبب المنع غير قائم ، والباعث عليه غير موجود .
هذا هو الأمر بالنسبة لإبداء الزينة ، ما منع منه ، وما استثنى في أحوال قد تقصيناها حالا ، حالا .
وقد قال تعالى بعد ذلك عاطفا على النهي ، وذلك قوله تعالى :
وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ
، أي لا تضرب برجلها ليعلم الناس ما تخفيه من خلخال أو زينة على الساق ، وإن النهى عن هذا يتضمن النهى عن الضرب في ذاته بحركة غير محتشمة ، تتلوى فيها المرأة تلويا مغريا ، ثم إنه يبدي الزينة المغرية المشتهاة ، وقد قال الغزالي : إن الصّبّ المتيم يثير شهوته سماع صوت الهون تدق به حبيبة .
وفي الجملة : إنه يجب التستر في كل شيء ، فلا يبدو منها ما يثير النظر أو الشهوة ، وإن النفوس قد تغفل عن بعض هذا الواجب وهو غض البصر ، ولذلك ختم اللّه تعالى الآيتين بقوله :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
.
أمر اللّه سبحانه وتعالى بالتوبة مما عساه يكون قد غفلوا عنه من أمر الغض الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب ، ولتتطهر منه السرائر ، كما تطهرت المظاهر ، وقوله تعالى :
جَمِيعاً
ليعم الأمر بالتوبة الذكور والإناث ، فقد يدخل البيوت من يظن فيه الخير ، وليس خيرا ، وقد يكون تأثم من إدخاله إذا تبين فساد نفسه ،
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
، أي تفوزون ، والرجاء من العباد ، لا من اللّه تعالى الذي يعلم السر وأخفى .