تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5178

مساهمون:

ص٥١٧٨
لأن هذا ما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس وخصوصا إذا كانوا ذوى مروءة ، ومرتاضين بالآداب الحسنة ، وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدى إلى ذلك بعنف ، والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل من لم يتهذب من الناس . وقوله تعالى :
هُوَ أَزْكى لَكُمْ
بمعنى الطهر ، أي هو أطهر لكم ، وأكرم ، وأنمى لمروءتكم ، ثم قال تعالى :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
، أي اللّه تعالى يعلم ما فيه خيركم وطهركم وأليق بكرمائكم ، وما يبعد المنافرة بين جماعتكم ، وأنتم لا تعلمون خيركم ، ولا ما فيه طهارتكم وسموكم ، ومعرفة الفاضل من أموركم ، أي اللّه تعالى يعلم ما تعملون من خير وشر ولائق وغير لائق ، عليم به ، وقدم
بِما تَعْمَلُونَ
على
عَلِيمٌ
للأهمية وللاختصاص ، وقبل الكلام في معاني هذه الآية الحكيمة وما قبلها نقول : إنه سبحانه لم يقل : فإن لم يأذنوا ، بل قال
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا
للإشارة إلى أن عدم الإذن يتضمن الأمر بالرجوع يفهمه ذو الإحساس المرهف المدرك المنفذ لما يكون فيه حفظ للمروءة وصون للكرامة ، وذلك يشير إلى منع اللجاجة ، وألا يدخلوا بيوتا لا يرغب في دخولهم أصحابها ، وقد بين اللّه تعالى ما يرخص فيه من دخول بيوت غيرهم ، فقال :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ
( 29 ) . الجناح الإثم ، وتنكيره ليعم ، أي ليس إثم في أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ، أي طعام أو أي شيء يقتنى وينتفع به من فرش وثياب ، وأمتعة ، وغيرها ، وقيد سبحانه وتعالى أن تكون غير مسكونة ، فلا يترتب على الدخول كشف للأستار ، ولا انتهاك للحرمات ، ولا تهجم ، وقد يقال : إن فيها اعتداء على حق الملكية ، ونقول : إنه ليس فيها اغتصاب ، بل إنه دفع ضرر أكبر من ضرر الدخول ، إذ إنه لو لم يتمكن من الدخول ربما يتلف المتاع إذا لم يسارع إلى أخذه ، فلصاحب المتاع نفع ، ولا ضرر على صاحب البيت مطلقا ، وقد وضع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
زهرة التفاسير — صفحة 5178 | محمد أبو زهرة