جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
( 57 ) [ يونس ] ويكون المعنى على ذلك ويبين لكم الآيات ، أي ينزل عليكم سبحانه وتعالى آيات مبينة الأحكام الشرعية ، والمواعظ الموجهة إلى الخير ، والداعية إلى الرشاد ، والهادية ، وتضمن البيان معنى الإنزال ؛ لأن الإنزال من اللّه تعالى هو بيان الحقائق الإسلامية .
وإن هذه الآيات هي الملائمة الرائدة للجماعة الإسلامية المرشدة لها ، التي تتجه بها نحو سيادة الفضيلة ، واللّه سبحانه وتعالى هو الذي يعلم ما فيه الخير والرشاد ، ولذا عقب الآية الكريمة بقوله عزّ من قائل
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أي أنه - سبحانه وتعالى - ينزل عليكم أنه عالم بكل شيء يعلم ما يسرّ وما يعلن ، وأنه حكيم يعالج آفات الجماعات بحكمته وتدبيره ، ويشرع ما هو جدير بعلمه وحكمته ، وما يصلح مالهم وعامة أمورهم ، ويجعلهم جماعة فاضلة ، وأنها خير أمة أخرجت للناس .
وبيّن سبحانه وتعالى أن الذين يروجون الفساد ويتهمون الأبرار يعملون على إشاعة الفاحشة ونشرها ، فقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 19 ) .
بين سبحانه في هذه الآية ما يترتب على رمى البرآء ، واتهام الأتقياء وخصوصا من لهم مكانة في الإيمان والفضل ، وقد بين ما يترتب عليه إشاعة الفحشاء ونشرها بين الذين آمنوا ؛ وذلك لأنها إذا شاعت في الأتقياء ذوى المكانة سهل ارتكاب الفاحشة ، فإذا تسامع من يكون في قلبه نزغة أن فلانة من أزواج الكبراء ، قد ارتكبتها فلا تجد حرجا أو لائمة أن ترتكبها ، فكان الذين يلوكون بألسنتهم اتهام أزواج الكبراء قاصدين إليها غير متأثمين من ترويجها يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ؛ لأنهم إذا علموا النتائج المترتبة على قولهم ، واستمروا في غيهم ، فهم يحبون هذه النتيجة ويسعون بعملهم إليها ، وقد ذكر سبحانه ذلك ليعلم العابثون إن استمروا أنهم يحبون هذا الفساد ، وقد ذكر سبحانه جزاءهم ، فقال :