علينا ببيان شريعته وعفوه عنا ، وقد نبهنا إلى مغبة هذا لنرتدع ، ونستغفر ، ونقلع عن أهواء النفس ، ووسوسة الشيطان ، ورحمته بنا من أن نؤخذ بجرمنا فور ارتكابه ، وإن كنا نستحقه ، وأن اللّه تعالى من صفته أنه رؤوف رحيم ، الرأفة انفعال النفس بالرفق والعطف على من يخشى عليه ، وهذا بالنسبة للإنسان ، أما بالنسبة لله تعالى فهي صفة تليق بذاته الكريمة ، وهي تقابل ما عند العبيد ، ولكنها تتفق مع صفات الكمال التي يتصف بها اللّه تعالى ، والرحمة لطف اللّه تعالى في الأحكام ووضعها في مواضعها سواء أكانت خفيفة أم كانت غليظة في عقاب ، فالعقوبة - مهما كانت شديدة - من رحمة اللّه تعالى بعباده ، وإن رمى الأبرياء من طاعة الشيطان ، ولذا قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
.
ذكر سبحانه العواقب الوخيمة التي تترتب على ترداد الإفك على ألسنة الناس وإنه يترتب عليه فساد أمر المؤمنين وتشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وفي هذه الآية يشير إلى أنه من وسوسة الشيطان ، ومن اتباع مسالكه ، ونهى المؤمنين عن ذلك صيانة لأنفسهم ، ولعقولهم ، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
تقرأ بضم الخاء وفتحها ، وقراءة الجمهور بضمها ، وخطوات الشيطان جمع خطوة ، وهي ما يكون بين الرجلين عند السير ، وذلك يتضمن النهى عن السير في مسالك الشيطان ، وعبّر عن طريق الشيطان بخطواته ، على أنه تعبير مجازى شبه من يخضع لهواه بمن يتبع الشيطان في خطواته ، فيخطو مثله غير متجنب لها ، ولا لطريقه .
ثم بيّن سبحانه سير الشيطان ، وأن من يتبعه يتبع الفحشاء والمنكر ، فقال عزّ من قائل :
وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
والفحشاء : الأمر الزائد في القبح الذي يتجاوز كل حد ، والمنكر : الأمر الذي تنكره العقول ، والفطرة المستقيمة ، ولا يقبله الناس ، ولا يرضاه ذوو الكرامات ، والذين يتطهرون في أقوالهم وأفعالهم .