تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5161

مساهمون:

ص٥١٦١
تفتك ببناء الجماعة الإسلامية التي من شأنها أن تقوم على تقوى من اللّه تعالى ورضوان ، فترديد الاتهام يسهل الإجرام ، وليس ذلك شأن الجماعات الفاضلة ، وهنا إشارتان بيانيتان : أولاهما : التعبير
بِأَلْسِنَتِكُمْ
الخطاب للجميع مع أنه لم يردد هذا إلا عدد قد أقيم عليهم حد القذف ، وحدوا ، ولكن خوطب الجميع للإشارة إلى أن واجب الفضلاء إذا سمعوا لغو القول الجارح أن يوقفوا قائليه ويمنعوهم ، فإذا سمعوا ولم يتكلموا ولم يشاركوا فكأنهم جميعا تكلموا . الثانية : أن قوله تعالى :
وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ
تفيد أنهم يتكلمون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم كقوله تعالى :
. . . يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ . . .
( 11 ) [ الفتح ] بل هي ألسنة تردد قولا لا علم لهم به ، ومآله على جماعتهم وخيم . وقد بين سبحانه وتعالى ما ينبغي للمؤمن عند تلقيه خبر السوء ، فقال :
وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
( 16 ) . الواو واصلة الجملتين ، وهو امتداد للتوبيخ للذين خاضوا في هذا الإثم ، و
( لَوْ لا )
للتحضيض لاتباع ما ينبغي عند سماع قول السوء في أخيه المؤمن ، وخصوصا إذا كان من العليين المكرمين عند اللّه والناس أجمعين :
وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ
وهذا حض على أن يقولوا هذا القول مؤمنين به
ما يَكُونُ لَنا
، أي ليس لنا ، وليس بكائن سائغ لنا
أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا
، وهذا شأن الإنسان المؤمن الكامل ، لا يسمح لنفسه أن يخوض في حديث لا يعلمه ، وخصوصا إذا كان يتكلم في الأعراض ، عرض أي امرئ كان ، فكيف إذا كان ذلك في عرض الصديقة بنت الصديق ، وزوج خير الخلق أجمعين ، ولها مكانة من محبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي الآية نفى للكينونة
ما يَكُونُ
، وهي أبلغ نفى لمثل هذا القول ، وأبلغ من النفي المؤكد ، وأنه غير سائغ في ذاته لأمرين : أولهما : تقديس اللّه تعالى ، لتأكيد النفي عن زوج نبيه ، ومن لها مكان الاختصاص بمحبة فوق محبة غيرها من أزواجه ، وهذا في معنى التعجب من أن
زهرة التفاسير — صفحة 5161 | محمد أبو زهرة