وأما رحمته فهي أنه سبحانه وتعالى لم يأخذهم بأمر عارض ، بل غفر لهم ، وأي رحمة أعظم من غفران لعمل كان منهم بجهالة ، ثم تابوا من قريب ، كما قال تعالى :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ . . .
( 17 ) [ النساء ] .
وجواب الشرط
لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ
و « مسّ » معناها أصاب جلودكم كما يمس الحديد المحمى الجسم الحي فيؤلمه . وفي كلمة
أَفَضْتُمْ فِيهِ
« أفاض » أصلها من فاض الإناء حتى سال ، ومعنى
أَفَضْتُمْ
فيه مجاز بالاستعارة ، إذ شبه حديثهم الذي خاضوا فيه غير محترسين ولا مفكرين ، بالماء الذي يسيل ، فلا يضبط ، وكأن الحديث يسيل سيلا زائدا عن حده ، وبغير غاية .
وقوله تعالى :
عَذابٌ عَظِيمٌ
التنكير فيه للتعظيم ، أي عذاب لا تدركونه اليوم ، وسترونه ، ثم صور حالهم في عدم تفكيرهم فقال سبحانه :
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
( 15 ) .
إِذْ
ظرف متعلق بقوله تعالى :
لَمَسَّكُمْ
، لمسكم العذاب العظيم في القول
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ
تتلقون هذا الإفك من الألسنة ، وترددونه من غير علم ولا تثبت ، واقتران المس بزمنه ، ينبئ عن أن هذا الذي كان في الظرف ، أو كان الظرف وعاء له ، عن أنه هو السبب لولا فضل اللّه ورحمته . ومعنى
تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
، أي وسائل التلقي والعلم لم تكن معاينة ولكن هي الألسنة ، وتقولونه مرددين ما سمعتم بأفواهكم ، ولم تؤمن به قلوبكم ، ولم تعاينوه وتروه ، بل انتقلت الكلمات من الألسنة ورددتها الأفواه من غير علم أو تثبت ، فالألسنة قالته من غير علم ، ورددته الأفواه من غير علم ، واتخذوه سمرا ، يرطبون فيه المجالس بالإثم من غير علم ، ظنا منهم أنه هين لا أثر له ، ولا إثم فيه ، وأن التفكه بهذا القول هو أمر هين ،
وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
وذكر اسم اللّه تعالى توهينا لزعمهم ، وبيان عظم الإثم ، وفيه توبيخ شديد لهم ، فليس ما ارتكبوه هنة صغيرة بل هو جريمة كبيرة