هذا هو الاحتمال الذي يكون النهى فيه موجها للنبي ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم صاحب رسالة اللّه تعالى ، وحاملها ، وهو المخاطب بتكليفات الرسالة ، وليس المخالفون مخاطبين إلا عن طريقه .
وقد ذكر المفسرون احتمالا آخر ، ورجحه كثيرون ، وهو أن يكون النهى للمخالفين المعترضين ، ونراه بعيدا ، وإذا كان اللّه ينهاه عن المنازعة ؛ لأنه لا موضوع لها إذ لكل دين نسكه وشريعته ، وإن شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم عامة ناسخة ما يخالفها ، فقد نهاه أيضا عن الجدل معهم ، فقال عزّ من قائل :
وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
( 68 ) .
الجدل إحكام فتل الحبل ، وإحكام البناء ، والجدال في مسائل الحق والباطل إحكام كل مجادل قوله ليستطيع أن يزيف الحق أو أن يزيف كلام خصمه ، وإنه شاع في قول الباطل ، والمجادلة في الحق ، وهذا النوع من الجدال من شأنه أن يبعثر الحق ، ويشكك فيه ، وقد كان الإمام مالك رضى اللّه عنه ينهى عن الجدل في الحقائق ، وكان يقول : كلما جاء رجل أجدل من رجل نقص مما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أمر اللّه تعالى ألا يجادل المشركين واليهود ، وأن يفوض أمورهم بعد أن تبين لهم الحق الذي يجب اتباعه ، ودلائله من آيات اللّه المتلوة والكونية ، وأمره أن يقول لهم :
فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
، وهذا فيه تهديد لهم على عملهم ، ومؤداه لا تحاولوا تبرئتكم في أعمالكم بالملاحاة والمجادلة ، فاللّه أعلم بعملكم .
وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه ، فلا مفاضلة في علم اللّه تعالى ، إنما المعنى أن اللّه يعلم بما تعملون علما ليس فوقه علم وإن علم اللّه بأعمالكم سيبينه يوم القيامة ، فقال عزّ من قائل :
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
( 69 ) .
إذا كان اللّه تعالى هو الذي يعلم عملهم علما ليس فوقه علم ، فهو الذي يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ، وخاطبهم اللّه تعالى بقوله :
اللَّهُ