تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5026

مساهمون:

ص٥٠٢٦
ذكر اللّه تعالى في الآيات السابقة أن اللّه تعالى هو الذي يحكم بين الكافرين والمؤمنين فيما خالفوا فيه ، ويحكم بين الكافرين من أهل الكتاب فيما يختلفون فيه فيما بينهم ، وكل باطل ، بعد هذا الذي ذكره سبحانه بالعبارة وبالإشارة ذكر أنه حكم عالم لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ، فقال عزّ من قائل :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
( 70 ) .
أَ لَمْ تَعْلَمْ
معناها : قد علمت ، وبينا كيف استخلص ذلك المعنى السامي ، الاستفهام الإنكارى الداخل على فعل منفى ، وسياق القول : قد علمت يا محمد علما مؤكدا يقينيا
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
من عقلاء وأناس مكلفين ، وما مكّن لهم فيهما ، وما ذا فعلوا فيما سخر لهم ، فإذا كان هو اللّه الذي يحكم بينهم فحكمه هو الفصل ، وهو خير الفاصلين ، وإنه مع علمه سبحانه المحيط ، قد سجل ذلك في كتاب وهو اللوح المحفوظ ، وهو الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وقد بين اللّه تعالى الحكم والإحصاء في كتاب سهل يسير على اللّه تعالى ، فقال تعالت كلماته :
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
، أي سهل لا يحتاج إلى معاناة من اللّه العلى الكبير ، بل إنه سهل عليه سبحانه ، وإن الحكم الفاصل يقع منه في ساعات أو لحظات . هذا هو الحق ، وإنه سيلاقيهم يوم يعلم كل إنسان ما قدمت يداه ، ولكن المشركين في عماء عن الحق ؛ ولذا قال تعالت كلماته :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ
( 71 ) . الضمير في
وَيَعْبُدُونَ
يعود إلى الكافرين الذين سيطرت عليهم الأوهام والأهواء والتقليد ، فيعبدون ما لم تنزل به حجة ترشدهم إلى عبادته ، والسلطان في قوله :
ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً
، أي حجة نقلية نزلت من عند اللّه تعالى ، وسميت سلطانا ؛ لأنها تكون قوة تجعل لمن نزلت له قوة تجعل ما عنده قويا
زهرة التفاسير — صفحة 5026 | محمد أبو زهرة