تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5027

مساهمون:

ص٥٠٢٧
كالسلطان ولكن لم ينزل شئ من ذلك ، وإذا كان لم ينزل دليل نقلي من عند اللّه بعبادته ، هل لديهم برهان عقلي ينتج يقينا ؟ نفى اللّه تعالى ذلك أيضا فقال تعالى :
وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ
، أي ليس لهم به برهان عقلي يسوغ عبادتهم ، بل إن البرهان العقلي يؤدى إلى نقيضه ؛ لأنه لا يسمع ولا يبصر ، والقانون العقلي يوجب أن يكون المعبود أعظم من العابد ، فكيف يعبدون جمادا ، وهم أحياء ، وهو لا يعقل ، وهم يعقلون ؟ ! ! . إذا لم يكن عندهم دليل من عند اللّه أنزله فكان لهم سلطان ، ولا علم عقلي فإن ذلك يكون ظلما ؛ ولذا ختم اللّه سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ
، وإذا كانوا يعبدون ما لا دليل عليه من نقل أو عقل ، ويشركون مع خالقهم في العبادة ، وهو الواحد الأحد ، فإن ذلك لأنفسهم ولقولهم ضلال وفساد ، وقد نفى اللّه تعالى أن يكون لهم نصير أىّ نصير ؛ إذ لا يمكن أن يكون نصيرا أمام قوة اللّه . ومن لاستغراق النفي أي ليس نصير أىّ نصير من ملك أو إنسان . ونشير هنا إشارة بيانية في قوله تعالى :
وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ
فيه أن كلمة
لَهُمْ
قدمت على
عِلْمٌ
، وهي المبتدأ ؛ للدلالة على أنهم تهجموا من غير علم فقدّم عقابه في الاهتمام ، وللدلالة على ضلالهم ، وقدم
بِهِ
على
عِلْمٌ
للدلالة على إمعانهم في الضلال وظلمهم للحق ، واللّه ولىّ المؤمنين . وإن هؤلاء الذين سيطرت عليهم الأوهام ، وتحكمت فيهم الأهواء والتقليد الأعمى لا يلقون آيات اللّه تعالى بما يستحق من عناية ، بل يقابلون بالاستنكار والسخرية ، فلا يهتدون ولا يفتحون قلوبهم لدخول الهداية ، ولذا قال تعالى عنهم :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
( 72 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 5027 | محمد أبو زهرة