تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5014

مساهمون:

ص٥٠١٤
وسمى سبحانه رد الاعتداء عقابا للجاني ، وذلك حق ؛ لأنه أوذى فيعاقب المؤذى بمقدار ، ولكن سمى الاعتداء عقابا وذلك من قبيل المشاكلة اللفظية ، وليتم القصاص بين الجاني والمجنى عليه بالتساوي ، وإن اللّه يذكر أنه بعد العقاب برد الاعتداء بمثله ، لا يصح للمعتدى أن يعاود اعتداءه ؛ لأن ذلك يكون بغيا وظلما ، ولذا قال تعالى :
ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ
، وكان التعبير ب
ثُمَّ
للإشارة إلى بعد ما بين مرتبة القصاص العادل والبغى الظالم ، وإن اللّه تعالى ينصر العادل على الباغي .
لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
الضمير يعود إلى من بغى عليه ، وقد أكد اللّه تعالى نصره للمعاقب المقتص ، بالقسم و « لام » القسم ، وب « نون » التوكيد الثقيلة كما يعبر النحويون . وختم اللّه تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
العفوّ « فعول » من العفو ، أي أنه سبحانه وتعالى كثير العفو ، وهو صفة من صفاته جل وعلا ، أو اسم من أسمائه ، فهو يعفو عن كل تقصير ، وكل مخالفة ليست ذنبا ، وهو غفور يغفرها إذا كانت مما لم يأثم بالنفس ، ويكسبها إعتاما وإظلاما ، بل يكون بجواره حسنات تكشف ظلمتها ، وتكون مع ذلك توبة نصوح تجبّ السيئات . وقد قيل : لما ذا ختمت الآية بالعفوّ الغفور ، مع أن النصرة لدفع الظلم ، وذلك يقتضى اسم القدرة والقهر ؟ ، ومعاذ اللّه أن يكون المفسرون قد يتطاولون على عبارات القرآن الكريم ، ونقول : المناسب هو العفو الغفور ، بالنسبة للباغى ، والمعاقب ، ذلك أن الحرب في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما قام به الصحابة والتابعون من بعده ما كانت حرب دماء وغلب ، بل كانت حرب هداية وإرشاد ، وتعليم ، ورفع للظلم ، ورحمة للعالمين ؛ ولذلك دعا اللّه تعالى إلى العفو فيها فقال تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
( 126 ) [ النحل ] ، وقال تعالى في هذا المقام أيضا :
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
( 43 ) [ الشورى ] ، وقال :
. . . فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ . . .
( 40 ) [ الشورى ] ،
زهرة التفاسير — صفحة 5014 | محمد أبو زهرة