تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5012

مساهمون:

ص٥٠١٢
مكة إلى المدينة ، فقد صارت مكة أرضا للإسلام ، لا يهاجر منها إلا للجهاد في المدينة والتجمع كما يكون في المدينة يكون في مكة . وإذا كانت الهجرة مطلوبة من أرض فيها ضعف إلى حيث العزة الإسلامية والجهاد ، فالذين هاجروا في سبيل اللّه تعالى ليجتمعوا مع المؤمنين ويجاهدوا معهم لهم جزاء ؛ ولذا قال تعالى :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
، أي كانت هجرتهم في سبيل اللّه ، أي إن ذات الهجرة للجماعة الإسلامية جهاد في ذاته ، وقال تعالى :
ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا
، العطف ب
ثُمَّ
الدالة على التراخي في موضعه ؛ لأن قتلهم ليس عقب الهجرة ، ولا موتهم ، بل إنهم يعيشون مقيمين مع المؤمنين ما شاء اللّه أن يقيموا مجاهدين حتى يستشهدوا في قتال أو يموتوا حتف أنوفهم ، وقد بين اللّه تعالى جزاءين أحدهما في الدنيا ، وقد بينه سبحانه وتعالى بقوله :
لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
. أقسم اللّه سبحانه بأنه يرزقهم رزقا حسنا ، أي طيبا سخيا ، يغدق اللّه تعالى فيه عليهم من خيره ، من الفىء وغنائم الحرب ، فإن اللّه تعالى جعل رزق المجاهدين في ظلال سيوفهم ، وشكاة سلاحهم ، وفي سنابك خيلهم ،
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
، واللّه أكرم الرازقين . وأفعل التفضيل ليس على بابه ، بل إن اللّه تعالى رزقه في أعلى درجات الرزق ، هذا هو جزاء الدنيا ، فإن الهجرة من أرض الذل إلى أرض العزة في سبيل الله يكون فيه الرزق . أما الجزاء الأخروى فقد ذكره سبحانه بقوله عزّ من قائل :
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ
( 59 ) . أقسم سبحانه وتعالت قدرته ، فقال :
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ
، أي ليدخلنهم اللّه ، وكأنهم ضيوفه يوم القيامة ، وأكد ذلك ب « القسم » و « لامه » و « نون » التوكيد ،
مُدْخَلًا
، اسم مكان ، وصفه بأنهم
يَرْضَوْنَهُ
، يستطيبون نعيمه ، ويفكهون في خيره ، وهو الجنة التي تجرى من تحتها الأنهار ،
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ
، بأحوال خلقه يعلم مؤمنهم وكافرهم ، وهو حليم يغفر السيئات