وهكذا أكثرت الآيات التي طالبت بالعفو مع القصاص ، فكان القصاص سائغا ، والعفو والتسامح والصفح مندوبا إليه ، كما قال تعالى
. . . فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
( 85 ) [ الحجر ] ، ولذا كان ختم الآية بالعفو والغفران له موقعه ، وهو من الأسلوب الحكيم الذي لا يعلو إليه متكلم في الأرض ، فهو يحث على العفو كما حثت الآيات الأخر ، وهو يبين أن حرب الإسلام العادلة يؤثر اللّه فيها الصفح من أهل الإيمان ما كان سبيل إليه ، إذ إنها ليست للانتقام ، وإلا تكررت الحروب ، فهذا الفريق يقتصّ ، ثم الفريق الآخر يبغى ، ويتوالى القصاص والبغى ، وفتح باب العفو يغلق باب الحرب ، ما دام الحق يمكن إقامته بغير توالى القتال ، القتال عادلا ، أو باغيا .
وقد صور اللّه تعالى دفع الباطل بالحق ، وكون النصر والقتال له يكون دولة بإيلاج الليل في النهار ، فقال تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
( 61 ) .
الإشارة إلى نصر اللّه لمن يبغى عليه بعد أن دافع عن نفسه ، والولوج الدخول في مضيق كما جاء في قوله تعالى :
. . . حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ . . .
( 40 ) [ الأعراف ] ، وجاء في المفردات قوله تعالى :
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
تنبيه على ما ركب اللّه عزّ وجل العالم من زيادة الليل في النهار ، وزيادة النهار في الليل ، وذلك بحسب مطالع الشمس ومغاربها .
والمعنى أن هذا تنبيه لاختلاف مدار الأرض حول الشمس ، وقربها أو بعدها بجعلها قريبة نسبيا بقدر ضئيل ، فيطول النهار ، وبعيدة نسبيا بمثله فيطول الليل ، وكل شئ عند ربك بمقدار ، وهو الكبير المتعال المالك لكل شيء ، والمسير للكون بإحكام ، وبنواميس لا تتخلف ، كما اختار العزيز الحكيم العالم بكل شئ
وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
« أن » معطوفة على
بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
إلى آخره ،