هذا بيان من اللّه تعالى لخضوع الناس جميعا والكون كله لإرادته سبحانه ، والاستفهام هنا لإنكار الوقوع بمعنى النفي ، وهو داخل على حرف النفي « لم » ونفى النفي إثبات مؤكد ، كأنه كان استفهام ثم نفى ، والمعنى لقد رأيت أيها القارئ للقرآن الكريم أن اللّه يسجد له من في السماوات والأرض ، أي يخضع خضوعا مطلقا كل من في السماوات والأرض طوعا أو كرها ، كما قال تعالى في سورة الرعد :
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
( 13 ) ، إلى أن قال عزّ من قائل :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
( 15 ) والسجود طوعا هو بإرادة العبادة من العقلاء المختارين ، والسجود كرها ، أي بحكم الخضوع المطلق لإرادة المنشئ للكون الواحد القهار .
و
مَنْ
في قوله :
مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
ظاهر الكلام أن ذلك من العقلاء كالملائكة الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، والعقلاء من الجن والإنس المختارين المريدين ، والباقي ممن ذكر من الشمس والقمر والنجوم والجبال والدواب ، هؤلاء ينطبق عليهم السجود كرها ، فالوجود كله خاضع للّه سبحانه ، وإن من شئ إلا يسبح بحمده فهم خاضعون له خضوع الشئ لمن أوجده ، فالجبال تخر له وتصير هباء منبثا ، وتتحرك بإرادته وأمره ، ثم ذكر سبحانه الظالمين والمهتدين من عباده بالتفرقة بين الضال والمهتدى فقال سبحانه :
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ
، أي كثير اهتدوا وآمنوا فهم في ذاتهم ليسوا عددا قليلا ، وإن كان الفريق الثاني أكثر عددا ، وإن لم يكونوا مهتدين ؛ ولذا قال تعالى :
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ
، أي أنه ليس بالمهتدى ، بل كان من عبدة الأوثان أو من أهل التثليث ، أو من أعداء البشرية اليهود ، أو من عبدة النيران ، أو من عبدة الكواكب وعبدة الملائكة الذين قالوا عنهم إنهم بنات اللّه تعالى .
وذكر سبحانه وتعالى هؤلاء الضالين بجزائهم ، وهو قوله :
حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ
للإشارة إلى أنه ملازمهم ، به يعرفون ، وبه يعيّنون وقوله تعالى :
حَقَّ