تعالى :
الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ . . .
( 97 ) [ التوبة ] ، وهؤلاء وأشباههم من ضعاف الإيمان هم الذين قال اللّه تعالى فيهم :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ
، أي أصابهم أمر يسرهم ، وهو خير اطمأنوا وسكنوا ،
وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ
، أي شديدة فيها ابتلاء لإيمانه واختبار لنفسه وتعرف لقوة إيمانه ، انقلب على وجهه ، أي ارتد بعد إسلام ، وكفر بما أعلن الإيمان ، وإن كان على طرف ، وعبر سبحانه عن ردته بقوله :
انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ
وهذا التعبير فيه تشبيه حال المرتد عن دينه بحال من انقلب فوق وجهه فصار رأسه في أسفله ، ورجلاه في أعلاه أي تصويره بصورة شوهاء ، شاه منظرها ، وقبحت حقيقتها .
وإن من يكون كذلك خسر الدنيا بما أصابه من فتنة لم يعتبر بها في دينه ، وكانت شرا عليه في دنياه ، إذا لم يستفد بها في دينه ، وخسر الآخرة ؛ لأنه يموت كافرا ، وذلك الأمر الذي آل إليه هو الخسران المبين الواضح .
وقد وصف اللّه تعالى من تكون هذه حاله بأنه كعبدة الأوثان على سواء .
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
( 12 ) .
أي أن هذا الذي انقلب على وجهه وتشاءم بالإسلام يعود مرتدا إلى من لا يضر وما لا ينفع ، فإذا كان لم يعجبه دين اللّه تعالى وتشاءم إذا أصابته فتنة يختبر بها إيمانه وتسليمه الأمور إلى اللّه تعالى خالق كل شئ الذي ينفع ويضر ، فقد رجا ما لا يضر وما لا ينفع ، لقد ترك دعاء اللّه تعالى وحاد إلى دعاء ما لا يضر وما لا ينفع ، و
دُونِ اللَّهِ
معناها غير اللّه ،
ما لا يَضُرُّهُ
، أي الذي لا يضر ، أي ليس سبب فيه التشاؤم الذي بغض إليكم دين الحق لأنكم فتنتم فيه ليختبر مقدار تسليمكم للّه ، وقد زعمتم أنه لا يضر إيمانكم به ، فهو أيضا لا ينفعكم ؛ ولذا كرر اسم الموصول ، أي يدعون ما لا يضر ، وهو أيضا ما لا ينفع ، فالإسلام دين اللّه الذي يضر وينفع أما غيره فدين ما لا يضر وما لا ينفع .