تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4953

مساهمون:

ص٤٩٥٣
وإنكم إذ خرجتم من دينكم ، فقد خرجتم من الهدى إلى الضلال ؛ ولذا قال عزّ من قائل :
ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
، أي ذلك الذي كان منكم ، وهو أنكم تريدون الأقدار على ما تحبون ، وتسير على ما تشتهون هو الضلال البعيد ، أي الذي تبتدءون السير فيه حاسبين أنه هداية ، وكلما أوغلتم بعدتم عنها بعدا طويلا ، وبذلك تمعنون في الضلال والتيه إمعانا .
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ
( 13 ) . في الآية السابقة ذكر سبحانه أنهم يدعون ما لا يضرهم ، وما لا ينفعهم ، وقلنا : إنه كان لا يضرهم فهو لا ينفعهم ، وأن الموصوف واحد ، ولكن خطر على عقلي بعد كتابة ما تقدم أنهما واردان على موصوفين أولهما لا يضر ، وثانيهما لا ينفع كما يدل تكرار الموصول ، وهذا ضلال ، ويناسب ما ذكر من بعد أنه الضلال البعيد الموغل في طريق الضلال ، والمعنيان بين يدي القارئ يتخير أحدهما ، والقرآن حمّال معان كلها بيّن لا إيهام فيه قط . وفي هذه الآية التي نتكلم في معناها ، نجدها تشير إلى أن الذي يدعوه من العقلاء ، بدليل التعبير ب ( من ) في قوله :
لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
، وتكون الدعوة بمعنى الالتجاء والاستغاثة ، أو الموالاة والنصرة ، والاعتماد عليه ، و ( اللام ) في قوله تعالى :
لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
، تفيد التوكيد ، سواء أكانت للتعليق أو للابتداء ، فتلك تخريجات نحوية لا تمنع ما تدل عليه من توكيد المعاني و « من » كما أشرنا تفيد أن من يدعونه من العقلاء ، وليس معبودا من الأوثان والجمادات ، وأن الدعوة للنصرة والموالاة ، والمعاونة على الباطل ، وكان ضره أكبر من نفعه ؛ لأن الاعتماد عليه فيه ضرر عقلي ونفسي ؛ لأنه يعتمد على غير اللّه ، والاعتماد على غير اللّه تعالى رقّ لهذا المخلوق يحد من الحرية ، ويمنع الانطلاق إلى العمل الصالح ؛ ولأنه ضعيف مثله ، لا ينتصر له ، ولأنه يجره إلى الشر ، فيكون التعاون بينهما قائما على الإثم والعدوان ، ولأن الاعتماد عليه اعتماد على شفير هار ينهار به في نار جهنم .