تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4928

مساهمون:

ص٤٩٢٨
أن الإشارة إلى الخبر في الآية السابقة ، يكون معنى البلاغ هو التبليغ أي أن هذه تبليغ للعابدين الذين امتلأت قلوبهم بعبادة الله تعالى ، وصارت العبادة وصفا ملازما لهم لا يفارقونه ، وصارت قلوبهم خاضعة وألسنتهم تترطب دائما بذكره . ويصح أن تكون الإشارة إلى ما ذكر في السورة من قصص النبيين ، ومواعظ وتوجيهات إلى الكون وأسراره ، ويكون معنى « بلاغ » منتهى وكفاية يدركها العابدون ، ويفهم لبها العاكفون على عبادته سبحانه . وإني أميل إلى التخريج الأول ؛ لأن الإشارة بقوله تعالى :
إِنَّ فِي هذا
إشارة إلى القريب ، ولو كانت إلى المذكور في السورة كلها من قوله تعالى :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ . . .
( 1 ) [ الأنبياء ] إلى هذه الآية ، فقال عزّ من قائل :
إِنَّ فِي هذا
ولكلام الله تعالى المثل الأعلى ، وليس لنا أن نتطاول على مقام كتابه المعجز ، الحكيم الخالد .
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
. أي أن رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم مقصورة على أن تكون رحمة للعالمين ، أي لكل العقلاء ، ورحمته صلى اللّه عليه وسلم في أنه بعث على فترة من الرسل ؛ لإنقاذ الناس من الأوهام التي أركسوا فيها ، وصاروا بها في عمياء ضاربة عليهم لا يدركون معها حقا من باطل ، وأنهم كانوا يتسافكون الدماء ، وقد أكلت العداوة كل معاني الخير في فطرهم ، واشتفت كل ينابيع المودة في صدورهم ، وكان صلى اللّه عليه وسلم رحمة بشريعته التي دونت في القرآن وبينتها السنة النبوية المطهرة ، بلسانه وعمله وإقراره حتى ترك الناس على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها ، ولقد قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
( 57 ) [ يونس ] ، وقد جاءت هذه الشريعة مشتملة على مصالح العباد ، فكل ما فيها مصلحة ، واستغرقت كل المصالح بالعبارة ، وبالإشارة ، وبوضع أصول كل نفع إنساني ، والله رؤوف بالعباد .