كثير ، وإن الذين أشركوا وعاندوا كانوا يستهزءون بالذين آمنوا ، وكانوا يقولون هم أراذلنا بادي الرأي ، وكانوا ينكرون البعث ، ويقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ، وكانت المادة تأسرهم ، ولا يؤمنون بالغيب ، والنبيون يجاهدون في الدعوة إلى الله والحق ويصابرونهم ، ويبالغون في الدعوة ليعذروا لأنفسهم عند ربهم ، ومن العصاة من يرتكبون أفحش الفواحش سائرين وراء شهواتهم المنحرفة ، بعد ذلك بيّن الله سبحانه وتعالى وحدة البشرية ، ووحدة الرسالة ؛ ولذا قال عزّ من قائل :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
.
الإشارة ب
هذِهِ
إلى الجماعات الماضية رسلا مبشرين ومنذرين وأقوام بعثوا إليهم وعاندوهم أو وافقوهم ، والخطاب للذين بعث فيهم النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، و
أُمَّةً
حال باعتبار الوصف بالوحدة ، والمعنى إن هذه الجماعات التي مضت برسلها المصطفين الأخيار حالة كونها أمة واحدة هي أمتكم معشر المخاطبين ، والمعنى أن الناس جميعا أمة واحدة في كونهم مؤمنين ، وكافرين ، ومستقيمين ومنحرفين ، وأمة واحدة فيما طبعه الله تعالى عليها ، وجبلها على الصفات الإنسانية الواحدة ، ما بين ملهمين التقوى وملهمين الفجور ، والرسل المختارون يدعون الأبرار والفجار ، فيستقيم على الطريقة المثلى الأبرار ، وينحرف عن الجادة الأشرار ، وهذه الآية كقوله تعالى :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . . .
( 213 ) [ البقرة ] .
وبعد أن بيّن سبحانه وحدة البشرية في الطبائع والجبلّات بين وحدة الرسالة ، ووحدة الألوهية والربوبية ، فقال عزّ من قائل :
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
أي أنا خالقكم والقائم عليكم والكالئ لكم
فَاعْبُدُونِ
الفاء فاء السببية أي بسبب هذه الربوبية الخالصة المبدعة - اعبدون ، هنا ياء المتكلم محذوفة مع تقديرها في الكلام .
وإنه نتج عن هذه الوحدة في الجبلّة ، وتنوع الغرائز وتضاربها وتغالبها ، وتنازع الأهواء والشهوات أن تنازع الناس ، وإن اختلفت منازعهم ما بين مهتد رشيد ، ومنحرف عنيد ؛ ولذا قال تعالى :