الأمر الثاني - في العطف بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب ، وإضافة النجاة والاستجابة إليه سبحانه للدلالة على أنهما مؤكدان برحمته سبحانه وفضله .
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ
( 90 ) .
زَكَرِيَّا
معطوف على ما سبق من أخبار النبيين ، وسبقت قصة زكريا عليه السلام للدلالة على أن الله تعالى لا يتقيد في خلقه وإرادته بالأسباب العادية ومسبباتها ، ففي الأسباب العادية لا يأتي الولد من امرأة عاقر ، وفي الخبر تسرية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بقصص النبي وتوقع نصره ، وإعلاء كلمته على المشركين ، وإن كانت ظواهر الأمور لا تنبئ عن ذلك ، فالأمر كله لله ،
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ
قال
رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ
فردا أي منفردا عن قريب أدنى يرثني ، ولقد كان في ندائه بالغا أقصى درجات الأدب في جنب الله ، فهو لا يجعل وراثة ذي القرابة القريبة أولى من وراثة الله فقال :
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ
وأفعل التفضيل ليس على بابه ، بل المعنى ووراثتك أعلى درجات الوراثة وأبقاها .
وهذا التعبير الموجز في معناه قوله تعالى :
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
( 6 ) [ مريم ] .
وقد أجابه تعالى بقوله هنا :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ
.
« الفاء » عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب ، أي أجبناه عقب سؤاله ، والتعدية باللام تدل على كمال الاختصاص بالداعي والعناية به ، وإصلاح زوجه هو جعلها صالحة للولادة ، بعد أن جف جهازها التناسلى ، وقد كانت في ذاتها عاقرا لا تلد ، وسبحان الفعال المختار الذي لا تحكمه الأسباب بل يحكمها وهو الفعال المختار .