تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4909

مساهمون:

ص٤٩٠٩
يجوز أن يخاصمهم ويغاضبهم وإلا زادهم نفورا ، فالرفق يدنى ، والغضب يبعد ، وهو بهذه المغاضبة خالف ربه ، وقد حسب أن النبوة أمر هين لين ، بل أشق أعمال البشر . وقال تعالى :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
هنا تأويلان لمعنى
أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
، أولهما : أن نقدر في معنى فقدر عليه رزقه ، أي نضيق عليه ، فالمعنى : فظن أنه لن نضيق عليه ، وحسب أن النبوة ليس فيها ضيق ، وقد عاقبه الله تعالى بأن التقمه الحوت
فَنادى فِي الظُّلُماتِ
أي ظلمات جوف الحوت
أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ
أي تنزهت ذاتك ، وفي هذا القول معنى الضراعة الكاملة والالتجاء إلى الله وطلب نصرته ، وإنقاذه والاستغاثة به ؛ ولذا قال بعد :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
. التأويل الثاني : أن معنى قوله تعالى :
أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
، أي لا نقدر اليسر والفرج ، وأحسب أن التأويل الأول أكثر ملاءمة للآية الكريمة ولمقامه .
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
، أي أجبناه ، والسين والتاء للطلب ، وهما يدلان على شدة الإجابة وشدة الرفق ، وكانت التعدية ب « اللام » ، مع أن « أجاب » تتعدى بنفسها ؛ للدلالة على كمال العناية به وترادف النعم عليه ، وقال تعالى :
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
الغم هو الألم الذي يصم النفس ويصيبها بغمة شديدة وهمّ وأصب ، وذلك من أثر المغاضبة التي غاضب بها قومه ، وخرج - عليه السلام - عن سنة النبيين الهادين المرشدين ،
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
أي كهذه النتيجة التي نجينا بها صاحب الحوت ننجى المؤمنين ، فلا ندع مؤمنا في غم ، بل نفرج عنه . وهنا أمران بيانيان نشير إليهما : أولهما - أنه حذف من القول ما أنبأ به سياق الكلام ، فلم يذكر التقام الحوت له ، ولكن أشير إلى ندائه في ظلمات جوف الحوت ودل على التقامه والشدة الشديدة التي كان فيها يونس ، وأنه كان في ظلمات لا يعرف لها نهاية ولا غاية ، وذلك من الإيجاز بالحذف الحكيم .