تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4906

مساهمون:

ص٤٩٠٦
بالجذام في كل بدنه ؛ ولم يبق منه شئ سليم سوى قلبه ولسان يذكر بهما الله تعالى ، حتى عافه الجليس ، وانفرد في ناحية في البلد ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه سوى زوجه كانت تقوم بأمره ، ويقال إنها احتاجت فصارت تخدم الناس لأجله » . ومع هذا المرض الممض المنفر ، ومع الانفراد كان صابرا ، كما قال الله تعالى :
. . . إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
( 44 ) [ ص ] ولم يشك لأحد غير الله ، والشكوى لله لا تنافى الصبر ، وإنما الذي ينافيه الأنين والشكوى للناس ، قال لربه :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
، هذه الجملة الهادية ، أي أصاب نفسي وحسّى ، قال ذلك طالبا رفع الضرر ، فقال :
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
لم يطلب من الله بصريح اللفظ ، ولكنه ذكر حاله وكفى ، وهو بها عليم ، وإن ذكر الرحمة ينبئ عن الطلب ، وهو أن يرحمه سبحانه ، ولكن لم تتعين الرحمة كاشفة عن الضر ، فقد يكون الضر من الرحمة ، ففي حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يبتلى الرجل على قدر دينه ، فإن كان في دينه صلابه زيد في بلائه » « 1 » وصف الله تعالى بأنه
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
، وأفعل التفضيل ليس على بابه لأنه لا رحم يقارب رحمته ، وإنما يفسر على أنه سبحانه وتعالى بلغ في رحمته أعلى درجاتها .
فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ
. « الفاء » للترتيب والتعقيب ، أي كان الكشف فور الضراعة له سبحانه وتعالى ، وذكر رحمته ، وكشف الضر : إزالته ، وخصوصا إذا كان الكشف إزالة هذا المرض الذي شوه جسمه ، ونفر الناس منه ، ولم يكن كشف إلا بإرادة ، ولا يتعذر شئ إزاء إرادة الله ، ولو كان جذاما لا يشفى في عادة الناس وطبهم ، ولقد قال تعالى في بيان كيف كشفه :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً
هامش
( 1 ) رواه الإمام أحمد في مسنده ( 1493 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 4906 | محمد أبو زهرة