من وحدة كانت تجمعه ، كما قال تعالى من قبل في هذه السورة :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
( 30 ) [ الأنبياء ] وقد ذكرنا هذا المعنى في هذه الآية .
وقد أكد - عليه السلام - أن هذا هو ربهم ، وليست تلك التماثيل بأنه يعلم ذلك ، ويؤكد لهم علمه فقال الخليل عليه السلام :
وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
هذا تأكيد لعلمه بذلك وهو الثقة فيهم والمرشد الأمين عندهم وأنه لا يكذبهم فيما يقول :
وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
يلاحظ فيها أمور ثلاثة :
أولها - أنه قدم الجار والمجرور
عَلى ذلِكُمْ
على متعلقها
مِنَ الشَّاهِدِينَ
؛ لأهمية هذه الشهادة .
ثانيها - التعبير بالجمع في الخطاب ؛ لأن المخاطبين جمع لا فرد ، وكذلك كلما كان اسم الإشارة يخاطب به جمع ، وإذا لم تكن كذلك بأن كان الخطاب للواحد لا تجىء الميم ، وقد حسب بعض الكتاب أن الأمرين جائزان ، وذلك غير صحيح ، إنما تكون إذا كان المخاطب جمعا ، وتكون فيما عدا ذلك من غير الميم ؛ لأنه إذا لم يكن جمعا كان المخاطب محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم .
والثالث - أن
مِنَ الشَّاهِدِينَ
معناها من العالمين علما يشبه علم المشاهدة والمعاينة فالدليل عنده يثبت اليقين كالمعاينة التي يراها ويشهدها .
اعتزم بعد ذلك إبراهيم أن يثبت لهم بالعيان كالعلم الذي أوتيه بأن يحطم أوثانهم فلا ترد له كيدا ، فقال :
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ
.
أراد أن يثبت لهم بالفعل أنها لا تضر ولا تنفع غيرها ، بل لا تنفع نفسها ، ولا تدفع عنها فأراد أن يكيد لها ، أي يدبر لها أمرا لو فعل مع غيرها يضرها ، فقال مقسما :
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ
أي لأفعلن معهم ما يكون كيدا للأحياء إذا توليتم مدبرين ، أي إذا انصرفوا عنها وقد جعلوها وراء أدبارهم أي في غيبتهم عنها ، أو نقول : الكيد لهؤلاء العابدين ، ولكن موضع الكيد هو الأصنام