قال تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ
.
أكد سبحانه وتعالى ما آتاه لإبراهيم ، ب « اللام » و « قد » ، والرشد هو العلم والإدراك والنفاذ إلى الحقائق كما رأينا تعرفه لله تعالى في وسط الجهالة التي كانت غمامة على العقول منعتها من الإدراك السليم ، وكيف تعرّف في نجم فرآه قد أفل ، ثم في القمر فرآه أيضا أفل ، ثم رأى الشمس بازغة ، فقال هذا حتى انتهى إلى الوحدانية .
هذا كله رشد وإدراك سليم انتهى إلى الإدراك الكامل لمعنى الألوهية المنزهة عن المشابهة للحوادث في أفولها وظهورها ، وفي فنائها وبقائها .
وقوله :
مِنْ قَبْلُ
أي من قبل موسى عليه السلام ، وهو أسبق منه ، وكان تقديمه لما ذكرنا من أنه جاء بشريعة مفصلة وإن نسخ بعضها وبقي الآخر ، وقوله تعالى :
وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ
أي عالمين كيف ربيناه ، وكيف صنع على أعيننا ، وربينا فيه روح الحق وتتبعه والوصول إليه .
وبعد أن بعثه الله تعالى تقدم لمجاهدة أبيه وقومه المشركين ، ابتدأت المجاهدة بقوله :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ
« إذ » هنا للوقت الماضي ، وهي مفعول لفعل محذوف تقديره « اذكر » ، والخطاب لمحمد صلى اللّه عليه وسلم والمعنى اذكر لقومك من مشركي العرب الذين يفخرون به نسبا ، ويدعون اتباعه كيف جاهد قومه في هذا الشرك ، وذكر أباه لأنه داع للحق ، وداعى الحق لا يفرق في دعوته بين قريب وغيره ، بل يبتدئ بالقريب لأنه أقرب إجابة ، ولأن الدعوة إلى الحق خير ، فأولى به الداني ، وإبراهيم كان أبوه دانيا إلى قلبه وذكر بعد أبيه قومه ، ومما قاله لهم هو :
ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ
التماثيل جمع تمثال ، وهو الصورة المجسمة للإنسان أو للحيوان ، وأكثر ما يكون الآلهة لصورة إنسان ، وكانت التماثيل عند اليونان والرومان وكانوا يعدونها أو