تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4883

مساهمون:

ص٤٨٨٣
ويناقض بدائه العقول ؛ لأن المعبود يجب أن يكون أعلى وأقوى من عابده ، فهل في تمثال قوة وعلو على الإنسان ، فأي ضلال أبين من هذا وأضل عقلا وفكرا . وأكد سبحانه على لسان إبراهيم ضلالهم ب « اللام » ، و « قد » ، و « كان » الدالة على الدوام والاستمرار ، وبضمير الفصل المؤكّد ، وإن إبراهيم جمع بين ضلالهم وضلال آبائهم ، فكان جامعا بين ضلال المقلّد والمقلّد . أجابوا عن ذلك الكلام الجاد بقولهم :
قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ
. لقد استغرق الضلال قلوبهم ، وسد مسامع الإدراك في أفكارهم ، فحسبوا أن ذلك هو الحق وهو الضلال بعينه ، قالوا مستفهمين
أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ
والاستفهام هنا بمعنى النفي ، فهو لإنكار الوقوع ، ومعناه : ما جئتنا بالحق ، بل أنت من اللاعبين ، و
أَمْ
للإضراب عن كلامه الحق إذ قد صمت آذانهم عنه ،
أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ
واستأنفوا كلاما جديدا ، وحكموا بأنه من اللاعبين أي أنه يهزل بهذا الكلام ، ولا يجدّ ، ووصفوه بوصف مستمر وهو أنه من اللاعبين ، ولصغره ، حيث إنه كان بالنسبة لهم صغير السن ، وقد أكدوا لعبه بالجملة الاسمية ، وب « أنت » ، وبإدخاله في صفوف الهازلين ؛ لأنهم لا يعيرون كلامه التفاتا ، ولا يجعلون له غاية . انتقل بهم خليل الله من مرتبة الاستنكار إلى مرتبة الإيجاب ؛ لأن التخلية قبل التحلية ، فبين لهم من الله الذي يعبده وتجب عبادته .
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
.
بَلْ
للإضراب والرد ، وإبطال عبادتهم وبيان أن التماثيل ليست أربابا ، بل الرب واحد وهو رب السماوات والأرض الذي قام عليهن ، وربّهما وهو الحي القيوم
الَّذِي فَطَرَهُنَّ
الذي خلقهن من عدم وأنشأهن في هذا الوجود ، وعبر بقوله :
فَطَرَهُنَّ
بدل خلقهن للإشارة إلى أنه شق الأرض من السماء ، أو شق الوجود كله
زهرة التفاسير — صفحة 4883 | محمد أبو زهرة