ترتب أخباره ترتيبا زمنيا ، كترتيب كتب التاريخ ، إنما قصصه عبرة وذكرى لأولى الألباب ، وإنما تذكر بمواضع العبرة ، ومواطن الموعظة .
ثالثا - أنه كان تفصيل في قصة إبراهيم عليه السلام ؛ لأنه أبو العرب الذي كانوا يعتزون ويفتخرون به ، ويقولون إنهم ضئضئ « 1 » إبراهيم وإسماعيل ، وهم كانوا يعبدون الأوثان ، كما كان الذين بعث فيهم إبراهيم يعبدونها هم وآباؤهم ، وإن إبراهيم عليه السلام أثبت بالعمل أنهم لا يضرون ، ولا يدفعون عن أنفسهم ضررا .
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ
« الواو » واصلة ما بعدها بما قبلها ،
آتَيْنا
أي أعطيناه ومكناه منه ، و
الْفُرْقانَ
هو التوراة لأنها فرقت بين الحق والباطل ، وبين قوم ليس لهم سلطان وقانون يحكمهم في ماضيهم وأن صاروا من بعدها لهم قانون يحكمهم وسلطانهم من أنفسهم ، كما قال تعالى منعما عليهم :
. . . وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً . . .
( 20 ) [ المائدة ] أي مستقلين سلطانكم من أنفسكم .
وقال بعضهم : إن الفرقان هو نجاتهم في البحر ؛ إذ فرق الله البحر فصار كل فرق كالطود العظيم ، وفي الحق : إن الفرقان يشمل بعمومه كل فارق بين أمرين ، فآتاه الله تعالى أن انفلق البحر بعصاه ، وأخرج بني إسرائيل من الذل والهوان إلى العزة والقوة ، وأن يطبقوها ، ويتحملوا واجباتها وتبعاتها حتى اضطر موسى لأن يتركهم يتيهون في الأرض أربعين سنة ليتعودوا حياة البأس والقوة ، ومهما يكن فإن الله تعالى آتى موسى كل ذلك ، ولعل ذلك هو السر في قوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ
ولم يقل تعالى : ( وأنزلنا الفرقان ) وقال :
وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ
الضياء النور الهادي المرشد ، وهو هنا المعجزات التسع التي بعث الله تعالى موسى عليه السلام بها ، والتعبير عنها بالضياء من قبيل الاستعارة فشبهت بالضياء ؛ لأنها مرشدة هادية معرّفة كالضياء وهي نور ، وهي ذات الضياء ، وسماها سبحانه وتعالى
ذِكْراً
لأنها مذكرة بالحق دائما ، ولكن بشرط أن تكون قلوب متفتحة للحق ؛ ولذا
هامش
( 1 ) الضّئضئ والضّؤضؤ : الأصل والمعدن - لسان العرب - ضأضأ .