تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4879

مساهمون:

ص٤٨٧٩
قال تعالى :
لِلْمُتَّقِينَ
أي الذين امتلأت قلوبهم بالتقوى ومخافة الله سبحانه وتعالى ، ولذا قال في أوصافهم :
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
وصفهم الله تعالى بوصفين أولهما : أنهم يخشونه ، أي يخافونه معظمين له مؤمنين بألوهيته مصدقين لكل ما يأمر به ، طائعين لأوامره ونواهيه ، ووصف الله الذين يخشونه بأنه ربهم الذي خلقهم وربّهم وهو القائم على شؤونهم ، ويخشونه وهو غائب عنهم ، علموه بالعقل والنقل فهم يعبدونه كأنهم يرونه وهذا هو الإحسان في العبادة ، وهو حقيقة الخشية . الوصف الثاني : أنهم يعرفون أن الله تعالى لم يخلق الناس عبثا ، بل لهم بعث وحساب وعقاب ، وهم يستشعرون الخوف من نتيجة الحساب ؛ ولذا قال تعالى :
وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
أي والثواب ، فهم يغلبون الخوف على الرجاء ، والساعة هي يوم القيامة ، وعبر بالساعة ؛ لأنها ساعة شديدة ، فهم يخافون الحساب لأنهم يستصغرون حسناتهم ويستكثرون سيئاتهم . هذا شأن الفرقان الذي آتى الله موسى فيه تذكير للمتقين الذين لهم هذه الأوصاف ، ولم يكن بنو إسرائيل على تلك الأوصاف ، ولكنه مع ذلك ضياء وذكر للمتقين الذين ربما يوجدون من بعدهم حتى جاء محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقد أشار سبحانه وتعالى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وإلى القرآن فقال :
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
. وسّط الله سبحانه بين قصة موسى وهارون ، وقصة إبراهيم حاطم الأوثان بالإشارة إلى القرآن ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، الذي أزال الأوثان من البلاد العربية ؛ لأن القرآن أكمل كتاب للشرائع التي فصلت بعضها التوراة ، ونسخ القرآن بعضها ، فأخذ شرعه من شرع موسى بعضه ، ولكنه خالد دائم لا يعروه نسخ ولا تبديل ، ولأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم أزال دولة الأوثان في مستقرها .