تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4864

مساهمون:

ص٤٨٦٤
وكما قال تعالى :
. . . خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً . . .
( 54 ) [ الروم ] وقوله تعالى :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
نظيره ومؤداه
. . . وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
( 11 ) [ الإسراء ] وهذا التعبير فيه تأكيد في عجلته ، وكأنه يكون من عجلة ، وهذا كناية عن استعجاله للأمور ، وفيه مجاز بتشبيه في عجلته وكونها طبعا له غير منفصل عن ذاته بأنه خلق منها طبعا له لا تنفصل عنه ، وهم يستعجلون دائما ما أوعد من عذاب ، كما قال :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ . . .
( 6 ) [ الرعد ] فهم يستعجلون العذاب كأنهم يتحدون الله ، والله أمهلهم لحكمة يعلمها ، وكل شئ عنده بمقدار ، وإذا كانوا يتحدون مستعجلين فالله تعالى ينذرهم ويخبرهم بأنه آتيهم لا ريب فيه ، ويقول سبحانه :
سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
الآيات هي آيات القدرة والقهر بالنذر التي تومئ ، بغلبة محمد صلى اللّه عليه وسلم ومن آمن به ، وبالريح العاصف التي غلب بها محمد صلى اللّه عليه وسلم في غزوة بدر ، هذه آيات بينات على ما ينزل بالكافرين لكفرهم ونصرة الحق عليهم ، و « السين » هنا لتأكيد الفعل في المستقبل ، وإسناد الفعل إلى الله تعالى فيه تأكيد الوقوع ، ورؤيتهم لهذه الآيات هي رؤية معاينة لا رؤية علم ونظر فقط
فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
أي لا تطلبون العجلة من أمر هو واقع فيكم لا محالة ، واستأنوا فإن ما تطلبون نازل . وذكر سبحانه من استعجالهم قوله :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي يقولون مستعجلين وعد الله تعالى بالهلاك إن استمروا على كفرهم ، ووعد الله المؤمنين بالغلب والقدرة ، وأن تكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الشرك هي السفلى ، يقولون ذلك إنكارا وتحديا وإعناتا ؛ لأنهم مأسورون بالحاضر لا يدركون شيئا وراءه ، فهم لا يتصورون أن يكون هؤلاء الضعاف الذين يستذلونهم ويفرضون عليهم الذل ويؤذونهم سيكون لهم الغلب يوما من الأيام ، لا يتصورون أن يجلس عبد الله بن مسعود فوق أبى جهل ويحز رقبته ، وأن يقتل بلال من كان سيدا له في مكة ، وهو من سادات قريش ، لا يتصورون ويستبعدون أيضا عذاب