تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4862

مساهمون:

ص٤٨٦٢
للعصاة ، وفي هذا إنذار للذين لا يطيعون أمر الله تعالى ، وقد صور سبحانه وتعالى إعراضهم في استهزائهم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم إذا دعاهم للحق فقال عزّ من قائل :
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ
. إن الإيمان والكفر يتبديان من أول لقاء أو من أي لقاء ، فإذا صحب اللقاء إقبال وتعرّف سلك طريق تعرف الحق واهتدى ، وإذا كان اللقاء إعراضا ، وسدا لينابيع الإدراك ، ومن أشد مظاهر الإعراض الاستهزاء والسخرية ؛ لأن الاستهزاء يميع النفس ، فلا تتجه إلى طلب المعرفة ، وتحرى الصواب ، ولقد كان الاستهزاء شأن المشركين في لقاء النبي صلى اللّه عليه وسلم وهذا قوله تعالى :
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً
، ( إن ) هي النافية ، والمعنى لا يتخذونك في اللقاء إلا هزوا ، أي إلا مستهزءين منك ، غير مقبلين على دعوتك ، ولا على شخصك بتعرف ما عندك من قول ، والنفي والإثبات بالاستثناء مفيد لاستغراق الاستهزاء كل أحوالهم ، فليس عندهم في نفوسهم فراغ لسماع الحق ، والإنصات إليه في جد وإقبال ، وإنهم إذ يرون النبي صلى اللّه عليه وسلم رؤوفا بهم لا يريد إغباتهم متواضعا ، وادعا تغريهم هذه الرؤية بأن يجعلوا هذه الصفات العليا موضع استهزاء
أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
وقد ابتدءوا في عباراتهم عن كلامهم ذكر الآلهة بسوء ، فقالوا : يذكرها ، وأنّى يكون له أن يعلو إلى ذكرها فضلا عن تسفيه أحلامهم في عبادتها ، وهذا استفهام للتعجب والاستهزاء والسخرية ، وذلك كقول الله تعالى عنهم :
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ( 41 ) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( 42 ) [ الفرقان ] . و
يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
فيها معنى إعلاء آلهتهم ، وتصغير شأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ومثلهم كمثل فرعون من موسى
. . . هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ
( 52 ) [ الزخرف ] فهو استفهام للتعجب والاستغراب من أن هذا للتواضع ، والتواضع عند أهل الفساد ضعة ؛ لأن مقياس الخير والشر عندهم القوة ، وقاعدتهم : من لا يظلم الناس يظلم .
زهرة التفاسير — صفحة 4862 | محمد أبو زهرة