تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4866

مساهمون:

ص٤٨٦٦
استطالوا الزمن واستعجلوا العذاب ، وتحدوا الله ورسوله أن يأتوا بالعذاب إن كانوا صادقين فبين الله تعالى هوله إذا جاءهم وأنه لا يأتيهم يوم القيامة إلا بغتة ، وأنه بعده عذاب لا يتصورونه ولا يدركونه ، وإن المشركين كانوا يتحدون الرسول أن يأتي بما وعد به من عذاب إن كان صادقا ، فبين سبحانه أن ذلك التحدي من جهلهم ، ثم بين مآلهم من عذاب يلقونه ، وأن القيامة التي يكون وراءها العذاب تأتيهم بغتة وذكر العذاب قبل القيامة مع أنه بعدها وبعد الحساب فقال :
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ
أي يحيط بهم ، وذكر الوجه والظهر لأنه إذا أحاط بهما أحاط بالجانبين لا محالة فلا يصل إلى الظهر إلا إذا أحاط بالشمال واليمين ، فالنار تحيط بهم ، ولا يستطيعوا كفها وذلك العجز عن كفها لأنه يقتضى الإحاطة بهم ، كما قال تعالى :
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ . . .
( 41 ) [ الأعراف ] وكما قال تعالى :
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
( 50 ) [ إبراهيم ] ، وكما قال تعالى :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ . . .
( 16 ) [ الزمر ] . و
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
العلم هنا بمعنى المعرفة ، وهي الجزم المطابق للواقع ، وعبر بالمضارع لتصوير حالهم عندما يعاينون العذاب ، وينزل بهم العذاب الشديد ، وجواب الشرط محذوف يدل على عظيم الهول وتقديره لرأوا هولا لم يدركوا كنهه ، ولم يعرفوا أمره ، كما في قوله تعالى :
. . . وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ . . .
( 165 ) [ البقرة ] ، وعبر تعالى بقوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا
للإشارة إلى أن الكفر هو سبب ذلك الهوان العظيم ،
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
أي أن العذاب ينزل بهم لا يستطيعون كفه ولا يوجد من ينصرهم ، ويكف عنهم ، هذا ما يستعجلونه ، ويتحدون أن يكون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . تحدوا أن يذكر لهم متى هذا الوعد ، وهو يوم القيامة ، وقد بادر سبحانه بذكر ما يكون لهم في هذه مما لا يسوغ لهم أن يستعجلوه ، ثم ذكر لهم أنه لا يأتي في وقت معلوم ، بل يأتي فجأة فقال :
زهرة التفاسير — صفحة 4866 | محمد أبو زهرة