تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4859

مساهمون:

ص٤٨٥٩
وقد ذكر سبحانه بعد ذلك أمرا محسوسا يحسونه ، وهو من آيات السماء فقال :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
الضمير لله تعالى ، وقال إنه خلق الليل والنهار ؛ لأنه خلق سببهما ونظامهما وهي نعمة في ذاتها ، فجعل الليل لباسا والنهار معاشا ، فالليل يسكنون فيه ، والنهار يخرجون فيه ، وذكر بعد ذلك ما في الليل من نعمة السكون ، والاستمتاع بنور القمر الهادئ الساكن ، وما في النهار من الحركة والاستمتاع بضوء الشمس الساطع وحرارتها ودفئها ، فقال تعالى :
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
، كما قال تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ . . .
( 5 ) [ يونس ] . و
كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
التنوين هنا عوض عن المضاف إليه ، أي كل من الشمس والقمر في فلك أي في مدار
يَسْبَحُونَ
وهنا شبه جريانها بالسبح ، يسبح في اليم ؛ لأنه يجرى في فلكه بقدرة أودعها فيه ، وبنظام ثابت ، والضمير عاد ضمير العاقل ترشيحا للاستعارة ؛ لأن السابح عاقل يدخل في العقلاء عادة ، فلما جاء التعبير بالسبح جاء معه وصف من يكون فيه عادة . وكان الضمير ضمير الجمع للإشارة إلى طوالع الشمس والقمر المتكرر الذي جعلهما جمعا ، ولأن الطوالع تختلف معها الشمس ، فتكون الشمس قريبة من الأرض في أحد مطالعها وتكون بعيدة عنها في مطلع آخر ، والقمر يبدو في النظر هلالا ، ثم يكبر حتى يصير بدرا ؛ ولذلك كانت الشمس والقمر بمطالعهما متعددين ، فصح أن يعود إليهما الضمير ضمير جمع .
زهرة التفاسير — صفحة 4859 | محمد أبو زهرة