تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4838

مساهمون:

ص٤٨٣٨
الخوف يدفعهم إلى الركض والهروب من البأس ، والحرص الذي استمكن في نفوسهم ، وحرصهم على ما كانوا عليه يناديهم في ذات أنفسهم : لا تركضوا وارجعوا إلى منازلكم التي كنتم فيها ، وعلى النظر الأول يكون النهى عن الركض والرجوع إلى المتارف والملابس والمساكن التي ارتضوها مثابة لترفهم نوعا من التهكم عليهم ، وكلا الاحتمالين ممكن الحصول ، ويجوز أن يرادا معا ، وقد قال الزمخشري في الكشاف في تصوير معنى الرجوع إلى مساكنهم ، وفي تصوير قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ
ما نصه : « لعلكم تسألون : تهكم ( على التخريج الأول ) وتوبيخ ، أي ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة ، أو : ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجلسكم وتزينوا في مزاينكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم ، ويقول لكم : بم تأمرون ؟ وبما ذا ترسمون ؟ وكيف تأتى وتذر كعادة المنعمين المخدومين ، أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاونة في نوازل الخطوب ، ويستشيرونكم في المهمات والعوارض ، ويستشفون بتدابيركم ، ويستضيئون بآرائكم ويسألكم الواردون عليكم ، ويستمطرون سحائب أكفكم ، ويمترون أخلاف معروفكم وأياديكم ، إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء ، أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم وتوبيخا إلى توبيخ » . هذا تصوير جيد لحال المترفين الذين ينعمون بنعيم الدنيا والسلطان ، ويكون معنى
تُسْئَلُونَ
على أن الكلام من الملائكة بأمر الله تعالى ، فيكون قوله :
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ
فيه توبيخ أبلغ توبيخ . وعلى نظرنا الذي نقول فيه أنهم هم الذين حدثوا أنفسهم بالنهى عن الركوض في هذا الهول ، فيكون لقوله :
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ
تصوير لما كانوا عليه من عز ورفاهية تجعلهم مقصودين بالسؤال فهم في حيرة بين الاستجابة لفزعهم بالفرار وبين حرصهم بالبقاء ، ومهما تكن هذه الحيرة فهم يحسون بالمرارة الشديدة والهم الأكبر ، ويحسون بأنهم كانوا ظالمين ولذا :
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
.
زهرة التفاسير — صفحة 4838 | محمد أبو زهرة