تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4835

مساهمون:

ص٤٨٣٥
وقوله تعالى :
ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ
العطف ب « ثم » يفيد أنه بين الوعد وصدقه شدائد كثيرة نزلت بالأنبياء من ردّ وعناد واستهزاء وسخرية وإيذاء ، كما قال تعالى :
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
( 110 ) [ يوسف ] فكان العطف ب « ثم » مشيرا إلى هذه الشدائد ، وأنه لم يتبين صدق الوعد إلا بعد شدائد ذاقوها ، ولم تهز إيمانهم ، ولم توجد في قلوبهم يأسا من صدق وعد الله . ثم قال تعالى :
فَأَنْجَيْناهُمْ
« الفاء » تدل على أنه يجئ فور صدق الوعد الإنجاء للرسل ، والإنجاء يشير إلى تضافر القوى ضدهم ،
وَمَنْ نَشاءُ
هم التابعون للأنبياء الذين آمنوا بما جاءوا ، وقد شاء الله تعالى إيمانهم لأنهم اختاروا الهدى ، وقد عبر الله تعالى عنهم بقوله ومن نشاء للإشارة إلى أنهم آمنوا ؛ لأن الله تعالى شاء لهم الإيمان ، وكل شئ في محيط مشيئته وإرادته ، فلا يقع شئ إلا إذا تعلقت به مشيئة الله ولا يخرج شئ في الوجود عن إرادته .
وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
وهم الذين خالفوا النبيين وعاندوهم ولم يؤمنوا ، وكفروا بأنعم الله ، وعبر الله عنهم بالمسرفين ، لأنهم أسرفوا على أنفسهم ، وأوقعوها في الضلال بكفرهم برسالة الله ، وإسرافهم في العناد وإيذاء المؤمنين وإسرافهم في ضلال العقل وعدم الإذعان لأي حجة أو برهان ، وإسرافهم في المعاصي ، وهي إفساد ، والله لا يحب المفسدين . وإن الله تعالى أهلك المسرفين المفسدين دائما ، ولكن بعد أن يرسل النذر ، وقريش اختصت بكتاب فيه علمهم وذكرهم وشرفهم ؛ ولذا قال عزّ من قائل :
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
أكد سبحانه نزول الكتاب من عنده إليهم ب « اللام » التي تفيد التوكيد ، و « قد » التي تفيد التحقيق ، وكان التأكيد لأصل ما يعود به عليهم ذلك الكتاب العظيم ؛ ولذلك قال تعالى في هذا الكتاب
فِيهِ ذِكْرُكُمْ
هذا من إضافة المصدر للمفعول ، أي فيه تذكير لكم بالحق والمواعظ والأحكام الشرعية العادلة التي تنظم العلاقات بين