آية أخرى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . . .
( 109 ) [ يوسف ] وقال تعالى :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ . . .
( 9 ) [ الأحقاف ] .
فسنة الله تعالى أن يرسل رسله من البشر ، ليأنس بهم المدعون ، وليأتلفوا معهم ، ولأن الملك لا يمكن أن يخاطب البشر إلا إذا صار كالرجل كما قال تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
( 9 ) [ الأنعام ] . وقد نبههم سبحانه إلى أن تلك سنة الله تعالى فيمن يبعثهم ، وبين أيديهم ما يعلمون فيه سنة الله في رسله ، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام وإسماعيل ابنه كانا من الأنبياء ، وإبراهيم عزهم ومناط فخرهم حيث كان رسولا من أولى العزم من الرسل - كان من الرجال ولم يكن من الملائكة ، وبنى البيت الحرام الذي كان حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ، بناه بقوته البشرية لا بالروح الملكية .
ومع ذلك طلب الله تعالى أن يسألوا من يشايعونهم من اليهود الذين كانوا يناوءون الإسلام كما يناوءونه هم ، ويؤذون النبي صلى اللّه عليه وسلم كما يؤذيه المشركون على سواء ولقد قال تعالى :
. . . وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً . . .
( 186 ) [ آل عمران ] فقال سبحانه :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
« الفاء » واقعة في جواب شرط محذوف دل عليه ما بعده ، وأهل الذكر هم أهل العلم بالرسالات ، وأهل العلم هم كل من عنده علم بالرسالات الإلهية والرسل المهديين . وفي هذا النص رمى لهم بالجهل ، وأن الذين يدّعون العلم بأنه لا رسول إلا من الملائكة غير عالمين ، ومفسدون ، وفي هذا إذلال لهم ، ورمى لهم بالجهل المطبق ، مع الإرشاد إلى الحق والاحتجاج بعلم أهل الكتاب الذين يناوءون النبي صلى اللّه عليه وسلم مثلهم .
ثم قال تعالى مؤكدا معنى الآية السابقة :
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ
الضمير يعود إلى الرسل ، لأنهم مذكورون في الآية السابقة بعبارة تفيد العموم بذكر الرجال
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا
والنفي داخل على الجسد الذي لا يأكل