تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4834

مساهمون:

ص٤٨٣٤
الطعام فمن طبيعة الجسد أن يأكل ويشرب ويمشى في الأسواق ، وهذا رد على من زعم أن الرسل ليسوا من البشر ، وتجاهلوا ذلك أو جهلوه ، ورد على الذين قالوا من المشركين : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق .
لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً
، وقد رد الله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً
( 20 ) [ الفرقان ] . نفى الله تعالى بهذه الآيات أن يكونوا جسدا لا يأكلون بل هم أجساد حية تحتاج إلى الغذاء كما يحتاج الجسد في قوله تعالى :
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً
لأن الجسد يدل على الجنس ، والجنس يفيد العموم ، ولأن الإفراد ملاحظ أيضا ، فالمعنى : « وما جعلنا أي رسول جسدا لا يأكل الطعام » وإن الطعام يعوض الجسم البشرى ما يفقد منه يوميا حتى إذا ضعف الجسم عن الغذاء كان الموت ؛ ولذا قال تعالى بعد ذلك :
وَما كانُوا خالِدِينَ
لأنه إذا كان الرسول جسدا فإنه تعروه عوامل الفناء الجسدي ، حتى يكون البعث يوم القيام ، كما قال تعالى :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
( 29 ) [ الأعراف ] فقوله تعالى :
وَما كانُوا خالِدِينَ
تأكيد لمعنى الجسدية التي تأكل الطعام ، وقد توهموا من معنى الملائكة أنهم لا يموتون فأكد الله سبحانه وتعالى نفى الملكية عنهم بذكر أنهم ليسوا خالدين كما تزعمون في أن الرسل من الملائكة لا يفنون ، وهكذا أبطل الله تعالى دعواهم أن الرسل لا يكونون من البشر ، وأثبت سبحانه بالاستقراء والتتبع أن الرسل لا يمكن أن يكونوا إلا من البشر الذين يوحى إليهم . وإن الله تعالى إذ يرسل الرسل من البشر يحوطهم بعنايته ؛ ولذا قال تعالى :
ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
. الضمير في
صَدَقْناهُمُ
يعود إلى الأنبياء الذين مر ذكرهم في الآيات السابقة ، وصدق الوعد معناه الوفاء به بأنه يجئ العمل موافقا للعهد ، ومن ذلك قول الرسل صدق ، وقوله تعالى :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
( 23 ) [ الأحزاب ] .
زهرة التفاسير — صفحة 4834 | محمد أبو زهرة