نَحْنُ نَرْزُقُكَ
وإنما الأمر أمر إصلاحكم ، وخلاصكم من أعلاق الأرض ، ولهذا قال تعالى :
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
، أي والأمر الذي يعقب هذا الأمر بالصلاة ، والاصطبار عليها هو للتقوى المهذبة للنفوس الواقية لها من شرور إبليس وعداوته ، والتقوى صفة المتقين ، وإذا كانت العاقبة لهذه الصفة فهي عاقبة لهم بوجود مجتمع طاهر نقى .
أخذ يبين بعد ذلك إنكار المنكرين ، وهو أنهم يحسبون أن محمدا لم يأت بآية تدل على صدقه :
وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى
( 133 ) . الواو واصلة بين هذه الآية ، وما كان من المشركين وإسرافهم في أمرهم وكفرهم بربهم ، وحسبوا أنه لم تأتهم آية شاهدة على رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه لم يأتهم بمثل عصا موسى ، ولم يبرئ الأكمه والأبرص ، ولم يغرقهم كما أغرق قوم نوح وقوم فرعون .
وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ
« لولا » هنا معناها « هلا » الدالة على الحث والتحريض ، ويتضمن هذا أنهم ينكرون وجود هذه الآية ، وقد رد الله تعالى إنكارهم فقال :
أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى
سمى القرآن
بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى
، وهي كتب النبيين السابقين من توراة وإنجيل وزبور ، وما جاء به إبراهيم وإسماعيل وغيرهم من النبيين والصديقين ، وهذه البينة هي القرآن ، وكان بينتها لأنه الكتاب الخالد الباقي الذي يحمل في نفسه دليل حجيته ، وهو حجة لنفسه ، ولكل النبيين الذين سبقوه ؛ لأنه معجزة باقية ، وهو المسجل لكل المعجزات السابقة ، لأنها كانت أحداثا ستنقضى بوقتها ، أما القرآن فهو معجزة باقية تتحدى الأجيال كلها أن يأتوا بمثله فهو معجزة المعجزات ، وهو سجلها الخالد الباقي ، روى في الصحيحين أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من نبي إلا أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلى وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » « 1 » وليس أتباع عيسى وموسى هم الذين سموا اليهود ، وسموا أنفسهم
هامش
( 1 ) متفق عليه وقد سبق تخريجه بلفظه .