تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4807

مساهمون:

ص٤٨٠٧
الحاجة ، ذانكم عقابان أحدهما في الدنيا ، وهو مشتق من ذات الجريمة فهو عقاب من ذات الفعل ، والآخر وهو على ما لم يستعد له من الحساب وقد جاء من إنكار البعث ، ولو كان قد آمن به لأستعد له ، وما فوجئ به وارتج قلبه ، فكان هذا عذابا شديدا ؛ لأن اللسان يقف حيث الحاجة أشد ما تكون إليه ، والبصر يكون عليه غطاء عند إرادة الإبصار . هاتان العقوبتان قبل عذاب الآخرة الذي يكون بعد الحساب ، وتقدير الجزاء ، وهذان العقابان ينالان من أسرف في أمره ، وانغمر في الشهوات ، ولذلك قال تعالى :
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ
. كهذا العقاب الدنيوي من إحساس بضنك العيش والضيق فيه والتبرم بحياته والإحساس بفقد الاطمئنان لأي شئ ، والإسراف على نفسه باللذات ، وبالإحساس بالحرمان المتجدد الذي لا يشبع من لذة ، ثم يستكبر الأمور ، ولذا تجده يكثر الانتحار وبخع النفس عند المسرفين في المعاصي ، والمسرفين على أنفسهم بقلقهم ، وعدم اطمئنانهم ومع ذلك يكون إحساسهم بسد الطرق في وجوههم . فالإشارة في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ
وهي إلى المعيشة الضنك ، والحشر أعمى
وَكَذلِكَ
مفعول ل
نَجْزِي
، والتعبير بالموصول
مَنْ
للإشارة إلى أن الصلة ، وهي الإسراف ، سبب لذلك الجزاء . وقد بين سبحانه أن وراء هذا العذاب عذابا أشد وأبقى ، فقال عزّ من قائل :
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى
وهو الذي يكون بعد الحساب ، وتقرير أن الجزاء أشد لأنه بالنار ، وهو أبقى أي إنهم يكونون في جهنم خالدين فيها وبئس المهاد . ولقد ذكر الله تعالى لمشركي مكة ما جاءهم من عبر ، وما ساقه من قصص هاد مرشد فقال عزّ من قائل :
أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
( 128 ) .