بعد هذا الإنذار للمشركين بما كان من هلاك الأمم ، وأن الله تعالى أجله للمشركين مع استهزائهم بك وسخريتهم بالمؤمنين ، وإيذائهم وقولهم عنك ساحر ، وكاهن ، وشاعر ، ومجنون ، وإنه سبحانه وتعالى ممهلهم غير مهملهم :
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
، و « الفاء » للسببية ، أي بسبب أن الله تعالى قد أجلهم ولا يمهلهم ، اصبر على ما يقولون ، أي تحمل ما يقولون ، ولا تلق بالا ، ولا تحسبن أن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم لأجل غير بعيد ، وهو محقق الوقوع ، وما هو محقق الوقوع قريب غير بعيد ، ولقد بين الله أن تربية النفس على الصبر تكون بالاتجاه إليه واستذكاره في كل الأوقات ، ولذلك قال بعد ذلك :
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
أي نزّهه .
و « الباء » للدلالة على مصاحبة الحمد للتنزيه ، أي نزه ربك عن أن يتركهم ، حامدا ربك على أنه أعطاك القوة وهو لهم قاهر ، وتفاءل ولا تتشاءم ، واعلم أن الله معك غير متخلّ عنك .
والتسبيح يراد به التنزيه المطلق المصحوب بالحمد ، وذلك مطلوب في كل وقت أم المراد الصلاة ، ولعلها كانت قد فرضت وأن تلك الآيات نزلت بعد المعراج ، وهو الوقت الذي فرضت فيه الصلوات الخمس .
إن الآية يمكن أن تخرج على الأمرين ، فيصح أن يكون المطلوب بها أن يلجأ الرسول بعد الصبر مستعينا به على اطمئنان النفس وتنزيهه وحده ، في الصباح قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها ، ومن آناء الليل وساعاته ، وفي أطراف النهار ، قبل الزوال وبعده ، أي يعمم أوقات الصحو كلها في تنزيه وتقديس ، وحمد ، وإن ذكر الله يذهب الشدائد ، ويعطى النفس قوة ، ويمكنها من الصبر ، ويعطيها الاطمئنان والقرار ، ولذلك قال تعالى في ختام النص السامي :
لَعَلَّكَ تَرْضى
راجيا أنت أيها الرسول أن ترضى وتقبل على تبليغ الرسالة قرير العين غير آبه لهم ، ولا ملتفت إليهم .
هذا على أن البيان للتسبيح المطلق والحمد والرضا ، وقد يراد بالسياق الصلاة ، ويكون في النص السامي إشارات إلى أوقاتها كما في قوله تعالى :
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ( 17 ) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
( 18 )