ثانيهما : كيف توصف معيشة العاصي في الحياة بأنها معيشة ضنك ، مع أنه قد يكون في بحبوحة من العيش وفي رغد دنيوي يفاخر به ، ويقول مفاخرا :
. . . أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً
( 34 ) [ الكهف ] فكيف يوصف بأنه في معيشة ضنك ؟
والجواب عن ذلك أن الضيق لا يكون من قلّة المال فقط ، بل يكون في غير ذلك ؛ لأن من أعرض عن الهدى ، وعن ذكر الله لا يكون في قناعة راضية ، بل يكون في طمع مستمر ، إذا كان عنده مال وفير استقله فلهب في كثيره ، ويريد وجاهة الدنيا وسلطان الحياة ، فيكون في ضيق بحياته ، فإن حرم ظنها الكارثة ، وهكذا هو يحس بالطلب الدائم ، ووراء الطلب الإحساس بالضيق . وتعجبني في ذلك كلمة قرأتها في تفسير القرطبي ، فقد قال : « ومعنى ذلك أن الله تعالى جعل مع الدين التسليم والقناعة ، والتوكل عليه ، فصاحبه ينفق مما رزقه الله عزّ وجل بسماح وسهولة ويعيش عيشا رافغا ، كما قال تعالى :
. . . فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . . .
( 97 ) [ النحل ] ، والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص ، الذي لا يزال يطمع به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق فعيشه ضنك ، وحاله مظلمة ، كما قال بعضهم : لا يعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم وقته ، وتشوش عليه رزقه » .
وفوق أن الإعراض عن ذكر الله تعالى تكون النفس فارغة وحيث فرغت النفوس عن ذكر الله كان الظلم ، وحيث كان الظلم كان اضطراب الحياة ، وتوقع الشر والانتقام فتكون المعيشة ضنكا وتكون الحياة ضيقة لمن يعرف العواقب . هذا عذاب الإعراض عن ذكر الله في الدنيا ، أما في الآخرة ، فقد قال تعالى فيه :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
والمراد أنه لا يملك حجة ولا برهانا يبرر به ما فعل وما وقع منه ، وفي هذا استعارة تمثيلية ، فشبهت حال من تقوم عليه الحجة ولا يحير جوابا ، بحال الأعمى الذي لا يبصر الطريق أين تكون النجاة ، بجامع الوقوع في الهوة ، وعدم البصر بطريق للخلاص أبدا ، وإذا كان من في الدنيا أعمى ، فهذا الذي حشر بين أهل الضلال في الآخرة أعمى البصيرة وهو أشد ضلالا .
قال وقد رأى نفسه قد عمى عليه الدليل ، وضلت عليه السبيل .