تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4806

مساهمون:

ص٤٨٠٦
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
( 125 ) . يسأل ربه لم حشرتنى أعمى ، عاجزا عن الدفاع ، وقد عميت عن الدليل ، ولم أعرف وجهه مع أنني كنت في الدنيا أبصر القول ومراميه ، وأجادل ، وأخاصم ، وأنازل وأقاوم ، والآن أنا مستسلم لمن يقودني كالأعمى ، ونادى ب
رَبِّ
معترفا بأنه خالقه وبارئه ، وقد كان من قبل يشرك بربه في العبادة ، ويضل ضلالا بعيدا . فيرد الله تعالى بلسان الملائكة أو بإلهام الله تعالى الحق له :
كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
. كهذا الإيتاء والحشر أعمى لا تستطيع القيام بحجة في وقت حاجتك إليها - أتتك آياتنا فنسيتها ، أي أنه في مقابل نسيانك آيات الله تعالى ، وتركك إياها كانت غشية العمى عليك وعجزك عن الحجة ، وكذلك الذي تركت به آيات الله تنسى أنت في شخصك وتهمل وتلقى فيما تستحق من عذاب أليم . وقال تعالى :
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى
( 127 ) ذكر الله تعالى عقوبتين لمن أعرض عن ذكر ربه أي عن الداعي لذكر ربه ، أولاهما : المعيشة الضنك ، أي الضيقة التي تضيق فيها النفوس وتطوع للمطامع التي لا تنال ، وإن نيلت طلبت غيرها ، وقد بين ابن كثير في تفسيره كيف كان الخلو من اليقين يجعل المعيشة ضنكا ، قال ابن كثير في معنى الضنك : « أي ضنكا في الدنيا فلا طمأنينة ولا انشراح صدر بل صدره ضيق حرج لضلاله ، وإن تنعم ظاهره ، ولبس ما شاء وأكل ما شاء ، وسكن حيث شاء فإن قلبه لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد ، فهذا من ضنك المعيشة » . هذه هي العقوبة الأولى وقد أشرنا إليها من قبل ، أما العقوبة الثانية ، فقد أشار سبحانه وتعالى إليها بقوله عزّ من قائل :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
وذكرنا أن العجز هو عن الحجة والبرهان ، حيث يجب الإدلاء بها ، فهو عجز في موضع