تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4767

مساهمون:

ص٤٧٦٧
الاختبار الذي سماه « فتنة » إلى نفسه ، وهو العليم بكل شيء قبل وقوعه ، وبعد وقوعه ، فالأزمان تكون بالنسبة للناس لا بالنسبة للذات العلية . وعبر سبحانه فقال :
قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ
أضاف القوم إليه استحثاثا لهمته ، وقوة في عتابه ، أي أنهم قومه الذي جاء لإخراجهم من طغوى فرعون ، ولكن لم يزل الأثر السيئ في عقولهم فطغى بتعاليمه عليهم نفسيا ، وإن خلعوا الربقة ، وأزالوا رق الأجساد ، فلم يزيلوا رق النفوس ، ولقد قال تعالى :
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
، أي أوقعهم في الضلال ، والسامري شخص انتقل معهم من مصر ، كان يجيد النحت والتصوير ، ولم ينص على أنه من الإسرائيليين أو أهل مصر الأصليين ، ويغلب على الظن أنه إسرائيلي اندمج مع المصريين وعرف صناعاتهم ، وقيل : إنه كان هنديا يعبد البقر ، ثم اعتنق ديانة بني إسرائيل .
فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي
( 86 ) . « الفاء » تفيد الترتيب والتعقيب ، ففور أن بين الله تعالى ما كان بقومه رجع إليهم في حال غضب وحزن ، ولذا قال تعالى :
فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً
والقوم هنا هم الإسرائيليون جميعا الذين كان منهم الذين عبدوا العجل ولم يكونوا عددا قليلا ، بل كانوا كثيرين ، وإن لم يكونوا الأكثرين ، والغضب هو الثورة النفسية للمفاجأة بأمر مؤلم لم يكن يتوقعه ، والأسف : الحزن الذي يسكن النفس بسبب أمر غير مقبول ، ولا يوجد له أي مبرر ، والحزن من شأنه أن يوجد في النفس كآبة ، وهمّا وغمّا ، وكذلك كانت حال موسى عليه السلام عندما علم من ربه أن قومه عبدوا العجل ، ولكن الحكمة النبوية توجب ألا يسترسل في الكآبة والغم ، والانفعال ، بل لا بد أن يعالج الموقف باستنكار شديد وحزم الشر واجتثاثه من أصله ، وكذلك فعل ، فقال لائما مستنكرا :
يا قَوْمِ
هذا نداء مقرّب بأنه منهم يؤلمه ما يضلهم ، ويفرحه ما يكون خيرا لهم
أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً
أي ألم يعدكم ربكم بخيرى الدنيا والآخرة ، وهو
زهرة التفاسير — صفحة 4767 | محمد أبو زهرة