أوهام المصريين أخذ أمدا طويلا . وتربيتهم على النخوة والقوة والعزة كان فوق طاقة موسى عليه السلام ، ولذا جعلهم الله يتيهون في الأرض أربعين سنة ، ليتربوا فيها على النخوة والبأس والعزة ، إن كان فيهم استعداد لها ولتكاليفها ، وقال الله تعالى لكليمه موسى مواسيا :
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
( 26 ) [ المائدة ] .
أول صدمة لموسى الكليم فتنة العجل ، ذهب موسى إلى جانب الطور الأيمن ، كما وعده ربه ليتلقى التوراة ، وذهب فرحا عجلا ؛ لأنه على شوق لمخاطبة ربه ، ولأن المسارعة إلى وعد الحبيب ترضيه ، وترضى نفسه ، وفي غيبة موسى عن قومه لم يكن وقتا طويلا ، فتن بنو إسرائيل بعبادة العجل ، وربما يكون موضع عتب بهذه المسارعة ، لما اقترن بغيبته ، وكل شئ بإرادة الله ، ولكن على المرشد الهادي أن يراقب النفوس وموضع ضعفها ، وموضع الضعف عند الإسرائيليين هو معاشرتهم لأهل فرعون ، هو اتباعهم طريق هؤلاء في أوهامهم وعاداتهم وتقاليدهم .
قال الله تعالى لكليمه ، وقد جاء مسارعا إليه في موعده :
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ( 83 ) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
( 84 ) .
« الواو » وصلت ما بعدها بما قبلها لكمال السياق ، ولبيان أن الفتنة جاءت بعد الإنعام بالإنجاء ، وتنزيل المن والسلوى ، والمواعدة على خطاب الله تعالى لموسى ، وهذا فيه تقريب لما يقع منهم من بعد ، إذ قرنوا تلك النعم السامية بالكفر لا بالشك ، وبذلك يتصور القارئ ما سيكون منهم .
كان موسى عليه السلام قد خرج من قومه بمن يمثلونهم ، وهم السبعون المختارون الذين يمثلون أسباطهم ، ولكنه ككل رئيس قد يسبق من معه يتعرف أمر اللقاء ؛ ولأنه في شوق للأنس بكلام ربه ؛ ولأنه يرى أن الله تعالى سيخاطبه بشرائع قد بعث بها .