تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4742

مساهمون:

ص٤٧٤٢
إلى نفوسهم ، كما تسرب لنفسه بالفزع والإرهاب والتخويف ، ولكيلا يسرى إلى نفوسهم كما سرى إلى نفسه الفرعونية ، وإن كانوا دونه حرصا ؛ لأن ما يملكونه قليل يتفضل به عليهم ، وقال :
لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ
لتخرجنا من أرضنا يعترف بأنها أرضهم وأرضه ، وأنه لا ينفرد بملكيتها ، وهو القائل لهم :
. . . أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي . . .
( 51 ) [ الزخرف ] ، ويقول
بِسِحْرِكَ
كأنه لفزعه وخوفه حسب أن السحر يخرج من الأرض ، ولعله كان يعتقد ذلك ؛ لأن السحر كان عندهم علما يغير ويبدل ، ولكنه كان يستحث قومه على المقاومة ، ولذلك قال
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ
. وهنا يجب الالتفات إلى كلمة قالها في هذه الحومة من الجدل ، فلقد نادى موسى قائلا
يا مُوسى
استدرارا لمحبته ، وتذكيرا له بسابق تربيته بينهم ، إذ قال من قبل
. . . أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ
( 18 ) [ الشعراء ] ، وهذا يدل على فزعه واضطرابه وتلمس الأمن من أي جانب يكون فيه أمن واطمئنان ، ولقد أقسم بما يقسم به عندهم ، موثقا قوله عليهم مطمئنا إليهم
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ
« الفاء » للسببية ، أي بسبب سحرك لنأتينك بسحر يماثل سحرك ، أقسم على قومهم استحثاثا لهممهم واستدرارا لمعونتهم في هذا الكرب النفسي ، وأكد قوله ب « نون » التوكيد ، وب « لام » القسم ، وقال
مِثْلِهِ
شعورا بالضّعف ، وأنه لا يزيد عليهم فهو ليس عنده طاقة بالزيادة ، ولذلك أراد اللقاء في معركة ، ولم يجرؤ على أن يعين هو مكانها وزمانها وترك لموسى أن يعد الأمر ويبين الموعد ، فقال :
فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً
، تلطف فرعون الجبار مع موسى الكليم ففوض إليه أن يختار هو الزمان والمكان الذي تكون فيه المغالبة بين سحرهم وعصى موسى ، ولا شك أن هذا التلطف كان يمكن أن يكون مطمعا للإيمان ، لولا الملك وطغيانه ، وأن مصر بلد السحر ، وأن سحرتها كانوا علماءها ، وقوله :
مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً
مَوْعِداً
مفعول ب
فَاجْعَلْ
وكذلك
مَكاناً
و
سُوىً
أي مكانا عدلا ووسطا بين الفريقين لا يشق علينا ولا عليك ، وهو صالح
زهرة التفاسير — صفحة 4742 | محمد أبو زهرة