تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4741

مساهمون:

ص٤٧٤١
الأمر الثاني : لما ذا اختص الله سبحانه وتعالى فرعون بالذكر ولم يذكر قومه إلا تابعين ، ففي قصة النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم كان يذكر المشركون ويشار إلى زعمائهم ، أما هنا فيذكر فرعون بالأصالة ، وربما يذكر قومه بالإشارة ، عندما يكون رجز يعم ولا يخص ؟ والجواب عن ذلك أن قريشا كانوا أحرارا في تفكيرهم ولو باطلا ، فلم يكن فيهم ملك أو طاغية يفرض رأيه ويقول لهم ما أريكم إلا ما أرى ، وأما أهل مصر فقد رضوا أن تندغم إرادتهم في إرادته حتى ساغ له أن يقول : أنا مصر ومصر أنا وتلك خاصته فيهم ، وقد رأينا بعضها الآن في عهد طاغية مضى : عندما قدم موسى أول آية ومعها الحجج الذي أفحمت فرعون ، ونقول أرهبت الجبار عندما ذكر له أن العذاب على من كذب وتولى ، وذكر آيته الباهرة في الخلق والتكوين ، وخص بالذكر ما يتعلق بالزراعة والنيل ، عندئذ تقرر أنه إذا كانت فكرة الإيمان قد راودته ، ففكرة السلطان قد عاودته ، ولا يتخلى ملك ولو كان غير فرعون عن سلطانه طوعا واختيارا فلا بد من مقاومته ، وقد خشي أن يتسرب الفكر من المؤمن إلى قومه فجاء المصريين من ناحية ما يحرصون عليه ، وهو حرصهم على سلامة أرضهم ، وأن يكون الحاكم فيهم منهم ، ولو كان فرعون ، فقال :
قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ( 57 ) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً
( 58 ) . أتاهم من ناحية ما يحرصون عليه ، وهو أرضهم ، وأدخل قومه ليثير حميتهم ، وقد خشي من موسى عندما انفرد بالقول معه ، قد أفزعه بذكر ربه القوى القهار ، الذي يزيل ملك فرعون ونفسه بكلمة إن أرادها ، ولقد قال في ذلك الزمخشري كلمة مصورة حاله : « إن فرائصه كانت ترتعد خوفا مما جاء به موسى عليه السلام ، وإيقانه أنه على الحق ، وأن المحق لو أراد قود الجبال لانقادت ، وأن مثله لا يخذل ولا يقل أنصاره ، وأنه غالب على ملكه » ، وذلك ما كان ، فقد أزاله وملكه ، وغرق في البحر هو وجنوده الذي تحكم بهم في رقاب المصريين ، قال تعالى :
أَ جِئْتَنا
هذا استفهام للتنبيه ، وحث الهمم على المقاومة والمحاربة لإنكار الذي جاء به خوفا من أن يتسرب