وإنه سيخرج بعد ذلك بتجميع أجزائه المتفرقة ، ولذا قال سبحانه :
وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
لكن هذا الإخراج ليس خلقا جديدا كما خلقكم منها ، بل هو إعادة بجمع المتفرق من أجزائها ، كما قال تعالى :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . . .
( 51 ) [ الإسراء ] .
تلك موعظة الله لفرعون ، وتلك آياته ، ولقد قال تعالى بعد ذلك إنه أبى فقال تعالى :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى
( 56 ) .
آتى الله تعالى موسى تسع آيات بينات ، كما قال تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ . . .
( 101 ) [ الإسراء ] ، وذلك لرسوخ الكفر في نفس فرعون وقومه ، فكان لا بد من قوارع جسيمة تقرع حسّهم لتخرجهم من كفرهم الذي كثفته السنون المتوالية ، وتكثف بالحضارة المستمكنة ، والعلم المادي الذي كانوا عليه ، ولقد بدأهم موسى بالعصا واليد البيضاء من غير سوء ، ثم توالت الآيات : الجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ، والرجز ، وكل ذلك لم يجد في القلب الجاسى المتصلب ، والقلوب الخائفة التي تحسب أن الخنوع للفراعنة دين يتبع ، ولذا قال :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها
وهذا النص يفيد أن الآيات كلها خوطب بها كل واحدة في ميقاتها ، وعند الحاجة إليها ، والوعد بالإيمان إذا رفعها الله ، كما وعدوا بالإيمان إذا رفع الله الرجز عنهم ، ولكنه رفعه ، ( فبغوا ) وقبل أن نتكلم في أمر المعجزة الأولى وهي العصا نذكر أمرين ، أولهما : أنه سبحانه وتعالى أكد أنه أبى وقد أعطاه الآيات كلها مبينا لها ، واحدة بعد الأخرى مع أنه لم يبين هنا إلا آية واحدة وهي العصا ، والجواب عن ذلك أن هذا النص الحكيم حكم عام على إبائه وتجبره واستكباره ، وقد جاءته الآيات كلها ، والإباء ختام لما قدمه موسى ، فقد أكد الله تعالى أنه بين له الآيات كلها ب « اللام » و « قد » ، والتأكيد بكل ذلك حق لا ريب فيه ، ولكنه اختص أولى الآيات ؛ لأنها التي كانت بها الصدمة الأولى .