فقال لهما سبحانه :
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
( 43 ) وقد أشرنا إلى نواحي طغيانه في قوله لموسى منفردا
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ . . .
( 24 ) وفي هذه الآية خاطبه وأخاه هارون إجابة لطلبه ، فقال :
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
( 43 ) ، وقد طلب منهما أن يترفقا في القول معه ، فقال سبحانه :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
( 44 ) والقول اللين لا يكون بالملق أو الإدهان أو المواراة ، فإن هذه أمور تتجافى مع الحق إلا بالقول الحق ، وما كانت رسالة موسى وأخيه إلا الحق وطلب الحق ، ولا يطلب الحق إلا بالقول الحق ، وإنما لين القول يكون باللين والرفق ، حتى لا يصدم في أمره بالجفوة ، وبيان أن الحق يزكى نفسه ، ويرفع نفسه فوق ما هي فيه ، كأن يقولا له : هل لك إلى أن تزكي ؛ لأن ظاهر القول التساؤل والاستفهام ، وأن يتبع الأمر باختياره لا بطلب من أحد ، ومن القول اللين ألا يجافيه وأن يخاطبه بما لا يمسّ سلطانه ، فإن طواغيت الدنيا لا يجدون شيئا أعز عليهم من سلطانهم في الأرض ، فيصابون في حسهم إذا مسّ ولو من بعيد ، وإن قول موسى قولا لينا لفرعون يتفق مع أصل التبليغ الصحيح الذي يقتضى اللين في القول ، كما قال تعالى مخاطبا محمدا صلى اللّه عليه وسلم :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . . .
( 159 ) [ آل عمران ] ، وإن اللطف في الدعوة من موسى لفرعون يقتضى الرفق في القول ؛ لأنه ربّاه صغيرا ورعاه ، وكانت له به محبة فكان له مثل حق الأبوة ، وقد عتب فرعون على موسى حتى هذه الدعوة الرقيقة ، وقال له :
. . . أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ
( 18 ) [ الشعراء ] .
وقال تعالى :
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
، أي أن القول يكون معه رجاء الإجابة ، فالرجاء منهما لا من الله تعالى ، وإن القول اللين ينساب في النفس كما ينساب النمير العذب فيحيى مواتها ، وتثمر ثمراتها ، والقول الجافي يصدّها صدّا ، وإن القول اللين يتبعه التأمل والتفكر ، ولذا قال :
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ
، أي يبعث في الفطرة السليمة الخالية من عنجهية الحكم وطغيانه فيتذكر ضعف الإنسان مهما يكن طغيانه ، أمام