فالباقيات الصالحات من أهل الإيمان تكون خير جزاء من أعمال الكافرين ، و
خَيْرٌ
أفعل تفضيل ، ولكنه ليس على بابه ؛ لأن مقابله لا خير فيه قط ، وقوله تعالى :
وَخَيْرٌ مَرَدًّا
، أي خير ما يرد به المؤمن يوم القيامة فهو يرجع عاريا من كل حلية إلا حلية العمل الذي يكون به الثواب ويكون لغيره العقاب ، والخيرية في أفعل التفضيل ليست على بابها إذ لا خير في غيرها إذا كان أفعل التفضيل ليس على بابه ، فالمراد به أنه بلغ من الخيرية أعلى درجاته فلا خير يعلوه قط .
وإن منشأ الضلالة هو الغرور بهذه الحياة والطمع ، وقد صور سبحانه وتعالى هذا الغرور في قوله :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ( 77 ) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
( 78 ) .
إن المشركين مغرورون بالدنيا غرتهم بغرورها ، وحسبوا أنها لا حياة بعدها ، وقدروا لأنفسهم مقاديرها فهم يستمتعون بحاضرهم ، ويحسبون أن قابلهم من جنس حاضرهم بل ذهب بهم فرط غرورهم إلى أن حسبوا أن البعث إن كان يكونون فيه الأعلين كما هم في الدنيا .
وقوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً
( 77 ) ، « الفاء » للترتيب والتعقيب ، وهي تصور كيف يمد للكافر حتى يصيبه الغرور ، وهي مؤخرة عن تقديم وتقدير القول : فأريت ، ولكن الاستفهام له الصدارة فقدم على الفاء ، والاستفهام للإنكار ، إنكار الواقع ، وهو بمعنى التنديد لمن كانت حاله كذلك في غروره ، وقوله تعالى :
الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا
، أي جحدها وأنكر دلالتها على وحدانية الواحد الأحد الفرد الصمد ، وهذا من الاستنكار الذي أفاده الاستفهام ، وقال مقسما قسما هو حانث فيه
لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً
، و « اللام » لام القسم الواقعة في جوابه ، ولذا كان التوكيد بنون التوكيد الثقيلة ، وما كان له أن يحلف تلك اليمين الفاجرة الآثمة بأن سيكون له مال وولد ، وقال في قسمه الحانث
لَأُوتَيَنَّ
، أي أنه بإرادته وقدرته الواهمة سيكون له مال قد اتخذه وأخذه