تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4650

مساهمون:

ص٤٦٥٠
ناداه أيضا نداء المتلطف المتحبب المدني ما بينهما
يا أَبَتِ
قال مفرطا في شفقته وإن لم يكن في شفقة الابن على أبيه إفراط قط ، وخصوصا في مقام الحرص على نجاته ، قال :
إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ،
هنا إشارات بيانية ، إذ الظاهر إصابته بالعذاب المقرر للمشركين ، وهو أن يدخل الجحيم ، ولكنه أولا عبر بالمس ، وكأنه لا يريد التهويل على نفسه وعلى أبيه بأنه سيصيبه العذاب لذلك الشرك ، والشرك ظلم عظيم ، هذه هي الأولى ، أما الثانية أنه ذكر أن العذاب كان من الرحمن . إنه كان ممن من شأنه الرحمة ، ولكنه آثر الطريق المعوج فكان العذاب ، والثالثة أنه يخشى عليه من أن ينهمك في المعاصي فيكون وليا للشيطان في الدنيا ، ويكون قرينا له في الآخرة ، وكأنه كان مخيرا بين ولاية الرحمن ورحمته ، وشقوة الشيطان وولايته فاختار ولاية الشيطان وصار وليه وساء قرينا . وكانت عبارته في التخويف في أدب ، ولم يصرح بالعقاب الشديد ، وإن نبه إليه في شدة ، بأنه سيكون ولىّ الشيطان وقرينه ، وبئس ولايته ، وأن يكون له قرينا . أجاب أبوه إجابة المحنق المغيظ لمحاولته ترك عبادة الأوثان وملته وملة آبائه ، فقال كما قال تعالى عنه :
قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
( 46 ) .
أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ
، هذا استفهام إنكاري توبيخى من ذلك الأب المخبط وكان موضوع التوبيخ هو انصرافه عن آلهته وبعد عنها ، وكأنه كان يجب أن يكون مثله منغمرا في ضلال ، وهو بذلك يضرب صفحا عن كل ما قاله ، ويقول بلسان الحال : سمعنا وعصينا وينقلب عليه بالتوبيخ عن تركه له ولملة آبائه المشركين ، وقد أكد التوبيخ بالتأكيد بالضمير بقول :
أَنْتَ
وفي ذلك تأكيد التوبيخ استصغارا لشأنه ، وما كان صغيرا ، بل كان الكبير بإدراكه وبدعوته إلى الوحدانية ، وهو يستنكر أن يرغب عن آلهته ، ولم يتعرض لما يدعو إليه ويرغب فيه ، وكأنه معرض عنه وعن أدلته وآياته .