تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4625

مساهمون:

ص٤٦٢٥
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا
( 22 ) . جاء في بعض الروايات أنها حملت بنفخ جبريل في بعض ثيابها ، فروى أن جبريل عليه السّلام حين قال لها :
كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
نفخ في جيب درعها ، وعن ابن عباس أخذ جبريل ردن قميصها « 1 » فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى ، وإن هذا يتلاقى مع قوله في سورة الأنبياء :
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا . . .
( 91 ) فهو لم ينفخ في الفرج ، ولكن نفخ في مريم ذاتها ، وذلك بالنفخ في فتحات من قميصها ، وعلى أن حال الكلام في ذلك ليس ذا جداء ، فإن جبريل روح من اللّه تعالى وليست له خواص الآدمي ، بل له الخواص الروحية التي لا تتصل بالمادة . قيل : كان الحمل بعيسى ومريم في نحو الثالثة عشرة من عمرها ، ولا يهمنا مقدار سنها ، إنما يهمنا أنها كانت عذراء وأنها حملت من غير زوج مطلقا ، بل جاء حملها أمرا خارقا لنظام الأسباب والمسببات الذي كان يؤمن به الفلاسفة ، ولا يؤمنون بأن اللّه فعال لما يريد ، فجاءت ولادة عيسى من غير أب أمرا خارقا لهذا النظام ؛ ولذا قال الشهرستاني : بحق إن عيسى بوجوده معجزة في ذاتها . وعندما أحست بالحمل واعتزلت الناس وانفردت عنهم ، وانتبذتهم في مكان قصى بعيد وشددت في نبذهم وعدم الانغمار في جمعهم ؛ لأنها صارت تصاحب من نفسها من يؤنسها في وحدتها ، وهو الحمل الذي تسعد به كل امرأة في هذه الدنيا ، ولذا قال تعالى :
فَانْتَبَذَتْ بِهِ
، أي انتبذت مصاحبه له
مَكاناً قَصِيًّا
،
مَكاناً
ظرف ، أي في مكان
قَصِيًّا
بعيد عن الناس حتى لا يروها فيقلقوها بفضولهم ، وفي الناس في كل العصور فضول ، يقولون فيه ما لا يعنيهم ولا يهمهم . ولكن لا بد من المواجهة عندما ترجع إليهم حاملة معها غلاما طاهرا زكيا ناميا .
هامش
( 1 ) الرّدن ، بالضم : أصل الكمّ ، والجمع أردان . القاموس المحيط . وفي العين : مقدّم كمّ القميص .
زهرة التفاسير — صفحة 4625 | محمد أبو زهرة