ولأنه المختص برسالته إلى خلقه ، وكذلك كان التعبير في قوله تعالى :
. . . فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا . . .
( 91 ) [ الأنبياء ] ، أي جبريل الأمين ، والفاء للترتيب ، أي أنه بعد أن اتخذت حجابا بينها وبين الناس منتبذة دونهم مكانا شرقيا ، أرسلنا إليها في هذه الخلوة الروحية جبريل ، فتمثل لها بشرا سويا ، أي ظهر لها في صورة رجل سوى مستوى الخلق والتكوين حسن الصورة ، وقد جاءها كذلك ، لأن البشر لا يرون الملك من الملائكة إلا على صورة البشر ، قال تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
( 9 ) [ الأنعام ] ؛ لأن البشر بحالهم البشرية لا يستطيعون أن يروا ملكا وهو في صورته الروحية .
فوجئت البتول مريم - وهي في مكان قصى شرقي قد انتبذت الناس ، واتخذت من دونهم حجابا - بصورة رجل من البشر يدخل عليها ولا تدرى من أين جاءها ، وقد سدت الأبواب ، وقام الحجاب ، وفي الفزع من المفاجأة ، قال اللّه عنها :
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
( 18 ) .
أي ألجأ إلى اللّه تعالى منك حذرة خائفة ، وذكرت اللّه تعالى بوصف الرحمن كأنها تستغيث من الناس برحمة اللّه تعالى ، وأنها في هذه الساعة تلجأ إلى رحمة الرحمن الرحيم ، ثم تتجه إلى الذي دنا منها مستنجدة بتقواه ، فتقول :
إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
، طاهرا متصونا مرجوا تخاف اللّه تعالى وتخشاه ، فهي تلجأ إلى الرحمن ، وتحثه على أن يخافه ويتقيه ، ويكون امرأ يخاف عذابه ويرجو ثوابه ، هنا يتقدم الملك الذي تمثل بشرا سويا يعلن حقيقته ومهمته ، وأنه ما جاء لينال منها شرا وأن ما سبق إلى وهمها ينفيه نفيا قاطعا ، ويزكيها ويقوى اصطفاء اللّه تعالى كما جاء في سورة آل عمران :
قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
( 19 ) « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع سورة آل عمران من هذا التفسير المبارك .