كما قال في الولادة وصعوبتها
. . . وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً . . .
( 15 ) [ الأحقاف ] ، وهو صعوبتها واحتمالها بعسر شديد ، وهو في ذاته كره ، ولكن الوالدة تتحمله لمحبة الولد وشغفها فيه .
وجذع النخلة عادة يكون يابسا سواء أكانت النخلة مثمرة أم كانت غير مثمرة ، وسواء أكانت في أرض زراعية أم كانت غير زراعية ، والنخل يكون في الأرض غير الزراعية ، و « أل » للجنس كقولك : ادخل السوق واشتر شيئا ، فليس ثمة سوق معينة ، ولا تكون للعهد ؛ لأنه لم تذكر من قبل شجرة ، ولا يكون في الذهن شجرة معينة .
وقد كانت مريم العذراء البتول في كربين :
الكرب الأول : احتملته ورضيته بحكم الفطرة وهو كره الولادة كما ذكرنا .
والكرب الثاني : العار الذي زعمته ويستقبلها ، فإنها البريئة الطاهرة تستقبل اتهاما وهي البريئة وذلك عبؤه على البريء ثقيل ، ولذا قالت :
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
.
تنادى « ليت » الدالة على التمني ، وكأنها تقول إنها تتمنى الموت ، وتنادى أداة تمنى الموت قبل هذا ، لأن ذلك وقت تمنى الموت فرارا من عار الاتهام الظالم ، وهي البريئة الطاهرة التي اصطفاها رب العالمين .
وأنها ما قالت الذي قالته تململا مما أراد رب العالمين لها من كرامة ، وإنما كان ذلك استشعارا من ضعفها وصعوبة الاحتمال ، وإن كانت راضية بما قضى اللّه وبما أمر ، غير خالعة ربقة ، ولا متمردة على طاعة ،
وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
، المنسىّ والنسىّ : الشئ المنسى ، كذبح الشئ المذبوح ، ونقص الشئ المنقوص ، فالنسى الشئ الذي من شأنه أن ينسى ؛ لأنه مهمل في ذاته ، والمنسى بالفعل .
وقد قال الزمخشري في هذا الأمر الذي كانت عليه العذراء البتول - محللا الألفاظ - وهو إمام البلاغة : المنسى ما من شأنه أن ينسى ويطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها ، كالذّبح اسم ما شأنه أن يذبح ، قال تعالى :
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ