تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4624

مساهمون:

ص٤٦٢٤
فنفت لذلك السيدة البتول بذلك الزواج ، وأن تكون قد زفت لبشر ، وأنها لم تكن تبتغى من الرجال ، وهذا موضع استبعادها مأسورة بحكم الأسباب العادية ، وقد سيطرت النظرية التي تفرض الأسباب والمسببات في كل الوجود . وقد رد اللّه سبحانه وتعالى قولها بأنه سبحانه أراد ذلك ، وإرادته فوق الأسباب ، ولذا قال تعالى :
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
( 21 ) .
قالَ
: أي جبريل ،
كَذلِكِ
خبر لمبتدأ محذوف ، أي الأمر كذلك ، قد تقرر في علم اللّه المكنون وقدره المحتوم ، فلا تغيير فيه استبعدتيه أو لم تستبعديه ،
قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
، أي قال ربك الذي خلقك ولم تكوني شيئا وكلأك وحماك ورباك واصطفاك على نساء العالمين ؛ لهذه الخاصة التي منحك اللّه تعالى إياها ، هو على اللّه هين ؛ لأنه يكون أي شئ في الوجود بقوله تعالى :
. . . كُنْ فَيَكُونُ
( 117 ) [ البقرة ] ، فليس خلق شئ بعزيز على اللّه خالق لا شئ
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ
« الواو » عاطفة على فعل محذوف يفهم من الكلام
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
فثبتت قدرتنا الكاملة في تغير الأسباب العادية ومسبباتها ، وإن إرادتنا لا يقيدها شئ ، وأنه سبحانه الفعال لما يريد ،
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ
، الضمير يعود على الغلام ، والآية هي الدلالة على قدرة اللّه تعالى المطلقة على خرق الأسباب والمسببات ، فأي دلالة أقوى في الدلالة على أن اللّه تعالى فعال لما يريد ، لا تتقيد بالأسباب والمسببات ، كما يتوهم الفلاسفة ومن يلف لفهم ويسير في دروبهم .
وَرَحْمَةً مِنَّا
، أي أن ذلك الغلام سيكون آية دالة على كمال القدرة الربانية وسيكون رحمة منا ؛ إذ نبعثه بالرحمة والرأفة والتسامح الإنسانى . ويقول سبحانه في بيان أن ذلك أمر محتوم
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
قررنا بحكمته ، وفي حدود قدرتنا ، ونفذناه بحكمتنا العالية التي لا تعلو إليها مدارك البشر ، إنه هو العليم الخبير السميع البصير .